مقدمة في علوم القرآن
عدد الزوار : 2144
تاريخ الإضافة : 27 ذو القعدة 1423
MP3 : 57034 kb
PDF : 314 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المهمات في علوم القرآن

مقدمة في علوم القرآن

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، أما بعد:

ففي هذه المجالس سنتحدث بإذن الله -عز وجل- عن مهمات أنتقيها وأستخلصها مما ذكره العلماء -رحمهم الله تعالى- مما يتعلق بعلوم هذا الكتاب العزيز.

وهذه الموضوعات التي سأتحدث عنها بإذن الله -عز وجل- هي من صلب هذا العلم، ومن موضوعاته الأصلية، ونحن نعرف جميعًا أن هذا العلم مركب من علوم شتى؛ ولذلك تجد في بعض الموضوعات التي تدون فيه أو تدرس، تجد أن بعضها من علوم أصول الفقه، وأن بعضها من علوم العربية، وهكذا؛ ولذلك فقد اقتصرتُ في هذه الدروس على الموضوعات التي هي من مهماته وصلبه خاصة، دون غيرها من الموضوعات، كالعام، والخاص، والمطلق، والمقيد، والمترادف، والمشترك، وما إلى ذلك من الموضوعات التي تدرس في بعض الفنون.

وقد رأيت أن أقدم بمقدمة أذكر فيها بعض الأشياء العشرة التي يذكرها العلماء عادة بين يدي الفن، وسأقتصر على بعضها، كمعنى علوم القرآن, وموضوع هذا العلم, وفائدته, وأهميته, وغايته, ونشأته, وتطوره, والمراحل التي مر بها، وقد ذكرت هذه المقدمة؛ لأن هذا الدرس هو الدرس الأول؛ لأن النية بإذن الله -عز وجل- أن يعقبه دروس أخرى، فلعل الله -عز وجل- أن ييسر فندرس متنًا، أو ندرس نظمًا في هذا العلم، فهناك منظومة لربما تزيد على مائة وسبعين بيتًا، لربما ندرسها في وقت لاحق -إن شاء الله، وهناك أيضًا كتاب واسع هو خزانة لهذا العلم، وهو كتاب: الإتقان للسيوطي، ففي النية في وقت قريب بإذن الله -عز وجل- أن نستعرض هذا الكتاب في مكان آخر؛ ولذلك رأيت أن أذكر زبدًا، وأذكر خلاصة في مثل هذه الدورة القصيرة، يستفيد منها من أراد أن يدرس أشياء أخرى، ويتوسع بعد ذلك.

وتجدون في هذه الموضوعات التي نذكرها هنا: الكلام على الوحي، وعلى نزول القرآن، وهذه من أهم الموضوعات، ومن أدق الموضوعات، وهي قضايا تتعلق بعلوم القرآن، وتتعلق بالعقيدة، وإذا درسها طالب العلم زالت عنه إشكالات في باب الاعتقاد، وفي باب التفسير، فضلا عن علوم القرآن؛ ولذلك فإن دراسة الوحي تعد من أهم الموضوعات؛ لأن الإيمان بالرسالة يتوقف عليه.

ثم نتحدث عن نزول القرآن، وما يتعلق بذلك من مكان النزول، وهو ما يسمى بالمكي والمدني، وزمان النزول، وهو ما يسمى بالليلي والنهاري، وهكذا ما يلحق بذلك مما يسمونه بالفراشي والنومي، وهكذا ما يسمونه بالسمائي والأرضي، وما إلى ذلك من موضوعات تتعلق به، كأسباب النزول، وبعض المهمات التي تذكر فيها، وهكذا بعض الأشياء الأخرى، كعلم الناسخ والمنسوخ، وهو من أهم الموضوعات.

ثم بعد ذلك أذكر أشياء تتعلق بهذا، وجملتها عشرة موضوعات، فإذا أسعف الوقت استعرضناها في هذه الأيام الخمسة، ولربما احتجنا إلى زيادة، نزيد يومًا أو يومين، فيكون إلى نهاية الأسبوع بإذن الله -عز وجل-، ولعل من المناسب أن أجعل اليوم الأخير مع الدرس أن يكون هناك شيء من الأسئلة، أو الاختبار الذي يحفز على مراجعة ما يذكر.

وأنا أؤمل من الإخوان أن يهتموا بما يسمعون دائمًا في الدروس العلمية، وأن يدونوا ذلك، ثم إذا انصرفوا بعده راجعوا هذه المعلومات؛ من أجل أن يثبت ذلك، ولا تكون هذه الجهود سدى.

هذا، وأسال الله -عز وجل: أن يرزقنا وإياكم النية الصالحة، والعلم النافع، والعمل الصالح الذي يرضيه، وأن يغفر لنا، ولكم، ولوالدينا، ولإخواننا المسلمين.

وقبل أن أبدأ هذا الدرس أذكر الإخوان أن السبب في عدم اختيار كتاب في هذه الدروس في مثل هذه الدورة: أني لا أعلم كتابًا يجمع مهمات هذا العلم بطريقة تجمع بين الاختصار والانتقاء والاصطفاء من غير شوائب، ومن غير أشياء تحتاج إلى مراجعات ومناقشات واعتراضات؛ ولذلك رأيت أن أحفظ أوقاتكم، لاسيما أن هذه الدروس لعل الله -عز وجل- أن يوفق فتكون مناسبة لجميع الإخوان، فهي تجمع بين البساطة، وتجمع أيضا بين الصفاء والانتقاء في المعلومات، فلا أذكر فيها شيئا من الأقوال الضعيفة قدر الإمكان؛ لئلا أحتاج إلى مناقشتها، فتذهب بعض الأوقات في ذلك، ونحن نعرف أن التعليم في البداية ينبغي أن يكون مقتصرًا على قول يظن أنه هو الراجح، وأنه هو الأقرب، ثم بعد ذلك يتوسع الناس، فيدرسون الأقوال الأخرى؛ ولذلك لم أحدد كتابًا؛ لأني لا أعلم كتابًا يمكن أن يحقق هذا المقصود.

بعد ذلك أقول في ذكر هذه المقدمات: هذا العلم الذي اجتمعنا لدراسته عنوانه المعروف المشهور: علوم القرآن، فهو ليس من الموضوعات ذات العنوان الواحد، فبعض الموضوعات يقال فيها مثلا: القراءات، أو يقال فيها: القياس، أو نحو ذلك، فهذا العنوان كما ترون مركب من كلمتين: "علوم" و"قرآن"، وحتى نتصور هذا العلم، والمراد به؛ لأن الدخول في فن من الفنون يتوقف على تصور هذا العلم، وهذا التصور إنما يحصل بمعرفة معناه.

فالعلوم: هذه اللفظة جمع، كما لا يخفى، والعلوم: جمع علم، والعلم: يقابل الجهل، فهو: ضد الجهل، نقيض الجهل، وهذا العلم يمكن أن يعرَّف بأن يقال: هو: معرفة الشيء على حقيقته، هذا هو العلم؛ لأنك إذا عرفت الشيء على غير حقيقته فإن هذا جهل مركب، فلو قال قائل مثلا: التيمم لا يجوز، أو أن التيمم هو: استعمال الماء في الأعضاء المخصوصة بنية، فمثل هذا لم يتصور حقيقة التيمم، فيكون ذلك من قبيل الجهل المركب، فالعلم هو: معرفة الشيء على حقيقته -على ما هو به- معرفة صحيحة، ويمكن أن يقال: هو الإدراك الجازم المطابق للواقع، فهذه أشياء تقربه، وتصور لك المراد منه.

وأما القرآن، ويقال فيه: القُرَان، من غير همزة، كما هي: قراءة ابن كثير، وهي: قراءة أهل مكة؛ ولذلك كان الإمام الشافعي -رحمه الله- يقرأ: القران، ويكتب في كتابه الرسالة، وفي غيره من كتبه، يقول: القران، ولما حقق أحمد شاكر -رحمه الله- كتاب الرسالة للشافعي، كان يثبتها كما هي: القران، من غير همزة، فالقرآن يقرأ بالهمز، فيقال: قرآن، ويقرأ أيضًا بغير همز، فيقال: قران.

فالقرآن بالهمزة: يمكن أن يقال فيه: هو: مصدر من القراءة، في أحسن ما يفسر به -والله تعالى أعلم، ونحن إذا أردنا أن نُرجع الأشياء في التعريفات، وتفسير الألفاظ، نرجعها إلى أصولها، فالأحسن أن نرجعها إلى المصادر، بمعنى أننا نقول: القرآن من القراءة، ولا نقول: القرآن من قرأ، فلا نعيده إلى الفعل، وإنما نعيده إلى المصدر، فنقول: القرآن من القراءة، كما قال حسان بن ثابت -رضي الله تعالى عنه- يمدح عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه:

ضحَّوْا بأشمطَ عنوانُ السجودِ به *** يقطِّع الليلَ تسبيحًا وقرآنا

يعني: أنه يقطع الليل تسبيحًا وقراءة، فسمى القراءة: قرآنًا.

ولا شك أن الأصل في هذه اللفظة من جهة الفعل هو: الفعل الثلاثي: قرأ، وهذه اللفظة: قرأ تدور بجميع استعمالاتها ومعانيها في كلام العرب، تدور على معنى واحد فقط، وهذا المعنى الواحد الذي تجد أطرافه منثورة في كتب القواميس، ولربما عد العاد منها جمعًا من المعاني، هذه اللفظة في الواقع ترجع إلى معنى واحد، وكل المعاني التي يذكرها أصحاب المعاجم اللغوية هي ترجع إلى هذا المعنى، وهذا من أنفع ما يذكر في تفسير الألفاظ، وبيان الغريب، ومعاني المفردات، أن ننظر إلى المعنى الواحد -أو الاثنين- الذي ترجع إليه جميع المعاني التي يذكرونها، ومن أحسن من يذكر ذلك ويبينه ابن فارس -رحمه الله تعالى- في كتابه: مقاييس اللغة.

فهذه اللفظة: القرآن، ترجع إلى معنى وهو: الضم والجمع، فإذا قلت مثلا: القراءة والقرآن فإن ذلك لاجتماع الحروف؛ لتكوِّن الكلمات، ولاجتماع الكلمات؛ لتكوِّن الجمل؛ ولاجتماع الجمل أو الآيات؛ لتكوِّن السور، وهكذا، ثم ما فيه أيضا من اجتماع المعاني، القصص والأخبار والعقائد والأحكام، وما إلى ذلك من الأمور التي جمعها الله -عز وجل- في كتابه، فهي: مجموعة في هذا القرآن، وهكذا إذا قلنا: القُرء الذي هو الحيض، فإنما قيل له ذلك؛ لأنه يجتمع الدم في داخل الرحم؛ ولهذا قيل له ذلك، فإذن: هذه اللفظة تدور على معنى واحد، وهو: الضم والجمع، والقرآن يمكن أن يكون قيل له ذلك بمراعاة هذا المعنى؛ لأنه يجمع ثمرة الكتب السابقة؛ أو لأنه جمع الله -عز وجل- فيه من ألوان الهدايات والعلوم والمعارف التي يحتاج إليها السالك إلى ربه -تبارك وتعالى، وهذه الأمور لا منافاة بينها، فكلها صحيح.

وأما معنى القرآن الاصطلاحي: فيمكن أن نقول: هو كلام الله -عز وجل- المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- بواسطة جبريل -عليه السلام- المعجز بأقصر سورة منه، ويمكن أن نستغني عن زيادة يذكرونها معه وهي: المتعبد بتلاوته، فيمكن أن نستغني عنها.

فقولنا إذن: القرآن هو كلام الله -عز وجل، فهذا يخرج كلام غير الله -عز وجل، كالملائكة والبشر، ويخرج من ذلك الأحاديث النبوية، كما يخرج من ذلك أيضًا الأحاديث القدسية، على قول من قال: إن الأحاديث القدسية هي من النبي -صلى الله عليه وسلم- لفظًا، ومن الله معنى.

وقولنا: هو كلام الله -عز وجل- المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم، فالمنزل يخرج ما لم ينزله الله -عز وجل، فكلام الله -تبارك وتعالى- لا نحيط به، فمنه ما نزله على الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام، ومنه ما لم ينزله، قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا الكهف: 109، وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ لقمان: 27، فإذن: المنزل يخرج ما لم ينزل.

وقولنا: على محمد -صلى الله عليه وسلم- يخرج ما نزل على الأنبياء غير النبي -صلى الله عليه وسلم، كالتوراة والإنجيل والزبور، وما إلى ذلك.

وقولنا: المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- المعجز بأقصر سورة منه، فالمعجز يخرج غير المعجز، وما هو غير المعجز؟ نقول: الأحاديث القدسية على قول من قال: إنها من كلام الله -عز وجل- لفظًا ومعنى، وهو الأقرب؛ لأننا في الأحاديث القدسية نقول: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه، ونقول أيضا: قال الله تعالى، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك، ولو كانت من عند النبي -صلى الله عليه وسلم- لفظًا لما قيل فيها ذلك؛ ولكانت مستوية مع الأحاديث النبوية، ونحن نعرف أن قسمًا كبيرًا وهو الأكثر من أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- النبوية أن الغالب في ذلك أنه وحي من عند الله -تبارك وتعالى- من جهة المعنى، وأقول: الغالب؛ لأن بعض هذه الأحاديث اجتهاد من النبي -صلى الله عليه وسلم، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- قد يجتهد، ويأتي الوحي يصوبه على ذلك، أو يبين له ما وقع فيه من خلل في الاجتهاد، كما اجتهد النبي -صلى الله عليه وسلم- في قصة أسارى بدر، فنزل الوحي بذلك: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ الأنفال: 67.

فالحاصل: أن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- القولية والعملية الغالب فيها، والسواد الأعظم هو من قبيل الوحي ابتداء، وما اجتهد فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- قليل، ثم يأتي الوحي مصوبًا له؛ ولهذا لا يمكن لأحد أن يقول: ما دام أن السنة فيها بعض الاجتهادات، إذن: يمكن أن يكون فيها بعض الأخطاء، نقول: لا يمكن ذلك؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤيد بالوحي، فيُسدَّد ويصوَّب، ويقوَّم اجتهاده من قبل ربه -تبارك وتعالى، فإذن: المعجز بأقصر سورة منه يخرج الأحاديث النبوية، ويخرج الأحاديث القدسية؛ لأنها ليست معجزة؛ ولهذا قد يقول قائل: إذا قيل: إن الأحاديث القدسية هي من كلام الله -عز وجل- لفظًا، فما الفرق إذن بينها وبين القرآن؟ فنقول: الفرق من وجوه:

منها: أن الله تعهد بحفظ القرآن بلفظه ومعناه، والأحاديث القدسية لم يتكفل الله -عز وجل- لها بهذا الحفظ.

ومنها أيضا: القرآن معجز بألفاظه، والأحاديث القدسية ليست معجزة.

وأيضا: القرآن لا يجوز روايته بالمعنى، أو نقله بالمعنى، والأحاديث القدسية يجوز نقلها بالمعنى بالشروط المعروفة التي يذكرها علماء الاصطلاح.

ومنها: أن القرآن نتعبد الله -عز وجل- بتلاوته، وأما الأحاديث القدسية فلم نتعبد بقراءتها، فهذه بعض الفروق.

فهذا تفسير هذا التعريف لكتاب الله -عز وجل- الذي هو القرآن، وهو يغنينا عن كثير مما يقال في تعريفه؛ لأن ذلك هو الأقرب -والله تعالى أعلم- من التعريفات التي يذكرها العلماء، وحسبنا ذلك.

وأما إيراد باقي التعريفات، ومناقشة كل تعريف فهذا أمر ليس بحسن، ولا حاجة إليه في مثل هذا المجلس.

بعد ذلك إذا عرفت معنى: العلم، وعرفت معنى: القرآن، فما معنى: علوم القرآن؟

العلم هو: معرفة الشيء على حقيقته، والقرآن هو: كلام الله -عز وجل، فعلوم القرآن ما هي إذن؟ يمكن أن نقول: هذا الفن هو علم يضم أبحاثًا كلية تتصل بالقرآن الكريم من نواحٍ شتى، يمكن اعتبار كل منها علمًا متميزًا، فهذا التعريف لهذا العلم الذي ندرسه -علوم القرآن- أظنه أقرب هذه التعريفات، وهناك تعريفات كثيرة له، أكتفي بهذا منها.

فحينما نقول: هو علم يضم أبحاثًا كلية، يعني: أنه لا يدرس قضايا جزئية، وإنما يضم أبحاثًا كلية، يندرج تحتها الجزيئات، فالأبحاث الكلية مثل: القراءات، يندرج تحتها جزيئات كثيرة جدًّا، ومفردات، وهكذا حينما نقول: علم الناسخ والمنسوخ، فهو من علوم القرآن، فهذا موضوع كلي، وحينما نقول: الآية الفلانية منسوخة، أو ليست منسوخة فهذا جزئي، وهكذا حينما نقول: المطلق والمقيد، فهذا كلي, وحينما نقول: هذه الآية مطلقة، وهذه الآية مقيدة، والمطلق محمول على المقيد فهذا جزئي، فإذا علوم القرآن: علم يضم أبحاثًا كلية مهمة، مثل: الناسخ والمنسوخ, المطلق والمقيد, الوحي, القراءات, الأحرف السبعة، وما إلى ذلك.

بعد ذلك حينما نقول: تتصل بالقرآن الكريم، هذا يخرج العلوم التي لا تتصل بالقرآن، مثل: أن الفاعل مرفوع، أو المرفوعات والمنصوبات، أو القضايا التي تتعلق بشروط قبول الرواية، أو قضايا تتعلق بالجرح والتعديل، وما إلى ذلك، فهذه ليست من علوم القرآن، إذن: تتصل بالقرآن بمعنى: أنها تتعلق به.

وقولنا: من نواحٍ شتى يعني: منها ما يتعلق بأداء القرآن، مثل: التجويد والقراءات، ومنها ما يتعلق بأماكن النزول، مثل: المكي والمدني، ومنها ما يتعلق بأسبابه، مثل: أسباب النزول، ومنها ما يتعلق بكونه موحى من الله -عز وجل، وهو موضوع الوحي، ومنها ما يتعلق بتنزيلات القرآن، وهو موضوع نزول القرآن، ومنها ما يتعلق بأوقات النزول، كما قلنا في: الليلي والنهاري، والصيفي والشتائي، وما إلى ذلك.

أما الموضوع الذي يتحدث عنه هذا العلم، ويدور عليه فهو القرآن من جوانبه المختلفة.

وأما الفائدة التي نستفيدها من دراسة مثل هذا العلم فأقول: هي في الواقع جملة فوائد، وليست فائدة واحدة، فهذه الفوائد منها: أنه يعين على فهم القرآن، واستنباط الأحكام والآداب.

كما أنه يجعل من تمرس فيه وفهمه وعرفه، يجعله مؤهلا للتفسير.

وأيضا: هو يعرف الدارس له بتاريخ القرآن الكريم، من حيث مبدأ نزوله، ومدة هذا النزول، وطريقه هذا النزول، وأماكن النزول، وأوقات النزول، والأحداث التي نزل فيها القرآن.

كما أنه أيضًا: يوفر لمن درسه من العلوم والمعارف المهمة المتعلقة بالقرآن شيئًا كثيرًا، كما قلنا في: الناسخ والمنسوخ، والقراءات، وما إلى ذلك.

كما أنه أيضا: يسلح من عرفه ودرسه وفهمه بسلاح قوي، يستطيع بإذن الله -عز وجل- معه أن يجلي كثيرًا من الإشكالات والشبهات التي يطرحها قوم من المستشرقين، ومن غيرهم من الزنادقة، من المتقدمين والمتأخرين.

كما أنه أيضا: يجلي لك أشياء لربما تنقدح في ذهنك إذا كان الذهن خاليًا من هذا العلم، فتعرف الجواب عن كثير من الإشكالات التي لربما أورثت شكًّا وحيرة في نفس الإنسان.

وكذلك أيضا: يوجِد عند صاحبه ملكة وقدرة على إدراك مواطن العِبر في هذا القرآن، والحجج، والأحكام.

وأما ما يتعلق بأهميته فهذا العلم هو في الواقع بمنزلة الميزان الذي يضبط الفهم لكتاب الله -عز وجل، كما نقول: إن علم العربية -علم النحو- يضبط اللسان من اللحن، وهكذا يقال: إن علم التجويد يضبط القراءة من اللحن أيضًا في كتاب الله -تبارك وتعالى، وهكذا أيضا حينما نقول: إن علم أصول الفقه يضبط الفهم لنصوص الكتاب والسنة ، وهكذا حينما نقول أيضًا في علم المصطلح: إنه بهذه المنزلة بالنسبة للحديث النبوي، يمكن للإنسان أن يعرف بواسطته صحيح الأخبار من سقيمها، فهذا العلم إذن هو كالميزان الذي يضبط الفهم؛ من أجل ألا يشطح في نظره في كتاب الله -تبارك وتعالى، وبهذا يكون مؤهلا لمعرفة صحيح التفسير من فاسده.

وأما الغاية أو الهدف الذي يصل إليه ويبتغيه الدارسون فأقول: هو معرفة معاني هذا القرآن؛ لأن هذا مرقاة لها وواسطة، وأيضا: العمل بعد ذلك، فبعد فهم هذا القرآن لابد من العمل بأحكامه؛ لأن الله -عز وجل- تعبدنا بذلك.

أنتقل بعد ذلك إلى النقطة السادسة، وهي ما يتعلق بنظرة تاريخية سريعة، تتعلق بنشأة هذا العلم، وتطوره، والمراحل التي مر بها، وهذه الأشياء التي أستعرضها الآن تحتاجون إليها لمعرفة تاريخ هذا العلم، وتحتاجون إليها عند النظر في كثير مما كتب في هذه القضية، فمن نظر في كثير من المؤلفات التي تكلم أصحابها على تاريخ هذا العلم، ونشأته، وتطوره يجد أشياء كثيرة جدًّا تحتاج إلى مناقشة، وقد حاولت أن أستقرئ لكم ذلك على قدر الجهد والطاقة من خلال الكتب التي تكلمت على هذه القضية، وأيضا: من خلال كتب المخطوطات -فهارس المخطوطات، وأيضًا: من خلال الكتب التي تكلمت عن الفنون، كالفهرست لابن النديم، ومثل كتاب: إيضاح المكنون، وأشباه ذلك من الكتب التي ألفها العلماء يسردون فيها المصنفات في مختلف العصور.

فأقول: نبدأ بالقرن الأول الهجري، ويمكن أن نقسم هذا القرن الأول الهجري إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: وهي العهد النبوي، في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم، ماذا تم في زمان النبي -صلى الله عليه وسلم- مما يتعلق بهذا العلم؟، نحن نعرف أن القرآن كان يتنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- في ثلاث وعشرين سنة ، وكان الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- من العرب، وكانوا أهل الفصاحة والبيان والبلاغة، فكانوا يدركون هذه المعاني التي خوطبوا بها، يدركونها غالبًا من لغتهم وسليقتهم، ونحن نعرف أن التفسير -كما جاء عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- على أربعة أنحاء: قسم تعرفه العرب بلغتها[1]، وهذا هو الشاهد، فكانوا يعرفون معاني هذا القرآن، يعرفون كثيرًا منها بفصاحتهم وسليقتهم العربية التي حباهم الله -عز وجل- بها، وإذا أشكل عليهم شيء من معانيه رجعوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فسألوه عن ذلك، فيبينه لهم، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبتدئهم أحيانًا بتفسير بعض الآيات، أو بعض القضايا، كما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُقرئهم القرآن على الحروف التي يتيسر لهم القراءة بها، فبعدما هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة نزلت الأحرف الستة الزائدة على حرف قريش، وأنتم تعلمون أن القرآن نزل على سبعة أحرف، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُقرئ أصحابه بحسب ما يتيسر لهم، كما أن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- لـمَّا عاصروا التنزيل، وشاهدوا الوقائع التي نزل فيها القرآن، وكانوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في السفر والحضر، في الليل والنهار، فعرفوا أماكن النزول، وهو: ما يسمى بالمكي والمدني، وعرفوا أوقات النزول، وعرفوا أيضًا أسباب النزول، وعرفوا الطرق التي ينزل بها القرآن على النبي -صلى الله عليه وسلم، وعرفوا وجوه القراءة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم، كما أن الواحد منهم ما كان يتجاوز خمس آيات، أو عشر آيات، حتى يتعلم ما فيها من العلم والعمل[2]، فكانوا يتعلمون العلم والعمل جميعًا، إذن: فقد تعلموا أحكام القرآن، وهذا نوع من أنواع العلوم القرآنية، علم أحكام القرآن، فإذن: تعلموا أسباب النزول، وأماكن النزول، ووجوه القراءة، وتعلموا أيضًا أوقات النزول، وتعلموا طرق نزول القرآن، وتعلموا الناسخ والمنسوخ، وما إلى ذلك من العلوم التي يُحتاج إليها، كالعام والخاص، والمطلق والمقيد، وغير ذلك، فهذا تعلمه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- منه، بمعايشتهم له، وبسماعهم منه، وبتلقيهم عنه -صلى الله عليه وسلم-.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد اتخذ جماعة من الكتاب، يكتبون بين يديه ما ينزل من القرآن، فيكتبون الآية في العُسُب واللِّخاف وهي شرائح الحجارة -الحجارة الرقيقة، والأكتاف، أي: عظم الكتف؛ لأنه عريض، ويكتبون بما يتيسر لهم من الوسائل المختلفة، فيكتبون الآية بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويرشدهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى مكان الآية من السورة، يقول: ضعوا هذه الآية في سورة كذا، في موضع كذا، فكانوا يؤلفون القرآن بين يدي سول الله -صلى الله عليه وسلم-، بمعني: يرتبونه بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم، والمقصود: أنهم كانوا يرتبون الآيات بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم، لأن ترتيب الآيات في داخل السور أمر توقيفي، أما ترتيب السور فسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.

إذن: هذه جملة من العلوم القرآنية عرفها أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في العهد النبوي.

والمرحلة الثانية: وهي عهد الخلفاء الراشدين، بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- جاء زمن الخلفاء الراشدين، فوقعت حروب الردة، فقتل في اليمامة فقط سبعون من القرّاء، والمراد بالقرّاء في اصطلاحهم في ذلك الوقت هم: أهل القرآن، الذين يحفظون الآيات، ويفقهون معانيها، فهم أهل العلم، فقتل منهم سبعون في وقعة اليمامة، وهذا يدل على أن الحفظة لكتاب الله -عز وجل- كانوا كثيرين، لم يكونوا أفرادًا كما يتصور بعض الناس، كانوا كثرة، حتى إنه قتل منهم في وقعة واحدة -وهي اليمامة- سبعون، من حمله القرآن، ومتى هذا؟، بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

إذن: حَفظَ القرآنَ كثيرٌ من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما قتلوا فزع عمر -رضي الله عنه، خاف أن يذهب شيء من القرآن، فأشار على أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أن يجمع القرآن، فأبو بكر -رضي الله عنه- تردد في أول الأمر -كما سيأتي، ثم شرح الله -عز وجل- صدره لذلك، فجاءوا بزيد بن ثابت -رضي الله عنه، وكان من حفظة القرآن، وممن شهد العرضة الأخيرة -وانتبهوا لهذه الجملة: كان ممن شهد العرضة الأخيرة التي عرضها النبي -صلى الله عليه وسلم- على جبريل مرتين في العام الذي توفي فيه، فهذا جواب عن سؤال كبير، وهو: لماذا اختير زيد بن ثابت، وتُرك كبار الصحابة كابن مسعود؟! ثم إن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- كان عند أبي بكر في المدينة، فاختاروه لذلك، فهو شهد العرضة الأخيرة، وكان يقرأ بقراءة قريش -بحرف قريش، والقرآن نزل على سبعة أحرف، وحرف قريش هو الحرف الذي كان يقرأ به عامة المهاجرين والأنصار، فهذه الجمل إجابات عن إشكالات كبيرة جدًّا، قد تعرض لك إذا قرأت في شيء من الكتب المدونة في القراءات، أو الأحرف، فحرف قريش هو الذي كان يقرأ به عامة المهاجرين والأنصار، وهو الذي نزل أولا بمكة، واستمر نزوله، ونزل معه ستة أحرف في المدينة، فاختير زيد بن ثابت لهذه المهمة، وتلكأ في أول الأمر، وتخوف، ثم بعد ذلك شرح الله صدره للقيام بهذا العمل، فجُمع القرآن في عهد أبي بكر -رضي الله عنه، جمع في صحف -من غير ميم، وهذه الصحف غير مرتبة السور[3]، وهل جمع على حرف واحد، أو جمع على السبعة الأحرف؟

الأقرب: أنهم جمعوه على حرف قريش -على قراءة قريش، ثم احتفظ به أبو بكر -رضي الله عنه- عنده احتياطًا، ثم لما مات أبو بكر -رضي الله عنه- صارت هذه الصحف إلى الخليفة من بعده، وهو عمر، واحتفظ بها، ثم لما مات عمر -رضي الله عنه- آلت الصحف إلى حفصة بنت عمر؛ لأنها وصية عمر، ثم لما جاء عثمان وأراد أن يجمع الناس على مصحف واحد طلب هذه الصحف من حفصة، فلم تكن عنده؛ لأنها آلت إليها.

فالحاصل: أنه في عهد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- جمع في صحف، ثم استمر الأمر على ذلك، وهو في هذه الصحف إلى خلافة عثمان فجمع المصحف، ومجموع الروايات في جمع المصحف كما سيأتي عند الكلام على القراءات -إن شاء الله- والأحرف السبعة، مجموع الروايات يدل على أمرين:

الأمر الأول: أن الغلمان اختلفوا في المدينة مع من يُقرئونهم في الكتاتيب، اختلفوا عليهم في القراءة، وتزامن ذلك مع الأمر الثاني وهو: أن الأجناد الذين كانوا في أرمينية وأذربيجان اختلفوا في القراءة، فهؤلاء عبارة عن جيوش جاءت من اليمن، ومن الحجاز، ومن الشام، ومن العراق، ومن أماكن مختلفة، اجتمعوا، فهؤلاء أقرأهم بعض الصحابة كأبي موسى الأشعري، وهؤلاء أقرأهم ابن مسعود، وهؤلاء أقرأهم حذيفة -رضي الله عنهم أجمعين، وهؤلاء أقرأهم معاذ بن جبل، فما الذي كان بعد ذلك؟ القرآن نزل على سبعة أحرف، هؤلاء الجنود كثير منهم ليسوا طلبة علم، ولا يعرفون هذه القضية، فصار الواحد منهم يسمع قراءة هذا من الشام، وقراءة هذا من العراق، وقراءة هذا من اليمن، وفيها نوع تغاير، فهذا يقرأ: كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ المرسلات: 33، وهذا يقرأ: كَأَنَّهُ جِمَالاَتٌ صُفْرٌالمرسلات: 33، فهذا يقول: أنت خطأ، وهذا يقول: أنت المخطئ، وتجادلوا، فغضب حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه، وقال: تقولون: قراءة ابن مسعود، وقراءة أبي موسى الأشعري، والله لأركبن إلى عثمان -من أرمينية، فليجعلنه على قراءة واحدة, فذهب إلى عثمان، وذكر له الخبر[4].

فتزامنت هذه القضية مع القضية الأخرى التي هي: اختلاف التلاميذ في المدينة على شيوخهم، هذا يقول: تُقرأ هكذا، وهذا يقول: تُقرأ هكذا، والقرآن نزل على سبعة أحرف، كلها صحيحة, لكن لجهل هذا بالوجه الآخر أنكره؛ لعدم علمه به، فجاء عثمان -رضي الله عنه- وجمع الصحابة جميعًا، ومنهم على بن أبي طالب -رضي الله عنه، فجمعهم جميعًا، ثم عرض عليهم هذا الأمر، فقالوا: ماذا ترى؟ قال: أرى أن نجعلها على قراءة واحدة، والسبب في ذلك -كما سيأتي إن شاء الله في الكلام على القراءات والأحرف: أن الأحرف الستة نزلت بعد ذلك في المدينة تخفيفًا؛ لـمَّا كثر الداخلون في الإسلام من القبائل الأخرى، فكانت تخفيفًا، وكانت رخصة، كما قال ابن جرير الطبري -رحمه الله- كبير المفسرين[5]، فلما استُغني عن هذه الرخصة، وذلت ألسن الناس بالقرآن، وسببت هذه الرخصة فيما بعد إشكالا عند الناس واختلافًا رأى أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يستغنوا عن باقي الأحرف، وهذه الأحرف الباقية هي وجوه أخرى في القراءة، يعني: لم يتركوا آية من القرآن، ولم يتركوا كلمة واحدة، إنما تركوا باقي الأوجه التي يُقرأ فيها القرآن من الأحرف الستة الأخرى، ثم بعد ذلك جعلوه على حرف قريش، وكتب عثمان مجموعة من المصاحف، بعضهم يقول: خمسة، وبعضهم يقول: سبعة، وبعضهم يقول غير ذلك، ولا يصح في العدد رواية، فأرسل بعضها إلى العراق، والكوفة، والبصرة، واليمن، وأرسل إلى الشام، ويقال: أرسل إلى البحرين واحدًا، وأرسل إلى مكة واحدًا، وأبقى عنده في المدينة واحدًا، ولم يرسل إلى مصر في ذلك الوقت شيئًا.

الآن هذه المصاحف كتبت بطريقة خاصة، هذه الطريقة هي التي عرفت فيما بعد بما يسمى: بالرسم العثماني، فهذا العلم الآن صار من العلوم التي تدرس في بعض الجامعات، وفيه مؤلفات، وفيه نظم يحفظه الطلاب، ويدرسون شرحه، وفيه قواعد، فهو علم من العلوم القرآنية، اسمه: علم الرسم العثماني، كيف تكتب هذه الكلمة؟ كيف تكتب الصلاة بالواو مثلا؟ فهنا تكتب بصورة معينة، وهنا تكتبها بصورة معينة، هذا العلم اسمه: علم الرسم العثماني، متى وجد هذا إذن؟، في زمن الخلفاء الراشدين، وبالتحديد في زمن عثمان -رضي الله عنه.

ومما يذكر في هذا الشأن أيضًا إن صح ما نقله السيوطي في كتاب الإتقان عن ابن أشتة في كتابه المصاحف، فابن أشتة له كتاب مسند بالأسانيد اسمه: كتاب المصاحف، وهناك كتاب آخر اسمه: المصاحف أيضًا لابن أبي داود السجستاني، فيه الروايات المتعلقة بكتابة القرآن، وأشياء تتعلق بجمعه، وأشياء تتعلق ببعض وجوه القراءة، وكتاب ابن أشتة هذا مفقود، لم يصل إلينا، وإنما نقل منه السيوطي هذه الرواية من غير إسناد، وهذه الرواية تقول: إن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ، هذه الرواية يرويها لنا عن علي -رضي الله عنه- رجل من علماء التابعين، وهو ابن سيرين، يقول ابن سيرين: "فطلبت ذلك الكتاب، وكتبت فيه إلى المدينة، فلم أقدر عليه"[6].

وقد ساق الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله- في كتابه التمهيد بإسناده إلى ابن سيرين أنه قال: لما بويع أبو بكر أبطأ عليٌّ عن بيعته، فجلس عليٌّ في بيته، فبعث إليه أبو بكر ما بطّأك عني؟ لماذا تأخرت عن البيعة؟ أكرهت إمرتي؟، لماذا بايع الناس ولم تبايع؟ وهذا رد على الرافضة، فقال علي: ما كرهت إمارتك، ولكني آليت -بمعنى حلفت، آليت أن لا أرتدي ردائي إلا إلى صلاة حتى أجمع المصحف, قال ابن سيرين: "وبلغني أنه كتبه على تنزيله، يعني: كتبه مرتبًا على النزول، ولو أُصيبَ ذلك الكتابُ لوُجد فيه علم كثير"[7].

في هذه الرواية ابن سيرين يروي لنا قضية بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم، هل أدركها ابن سيرين؟ الجواب: لا، فهذا عند علماء الحديث ماذا يسمى؟ يقال له: المرسل.

يقول ابن عبد البر -رحمه الله- بعدما ساق هذه الرواية معلقًا: "أجمع أهل العلم بالحديث أن ابن سيرين أصح التابعين مراسيل، وأنه كان لا يروي ولا يأخذ إلا عن ثقة، وأن مراسيله صحاح كلها، ليس كالحسن وعطاء في ذلك، والله أعلم"[8].

هذا الكلام من ابن عبد البر ماذا يعني؟ يدل على ماذا؟ يدل على أنه يصحح هذه الرواية المرسلة عن ابن سيرين -رحمه الله.

إذن: هذا الذي حدث في فترة الخلفاء الراشدين.

والمرحلة الثالثة: وهي ما بعد الخلفاء الراشدين إلى نهاية القرن الأول الهجري، فمما يذكر في ذلك: أن زيادًا -وهو الأمير المعروف الذي يقال له: زياد بن أبيه، واستلحقه أبو سفيان فقيل له: زياد بن أبي سفيان- أمر أبا الأسود الدؤلي فوضع قواعد الشكل على المصاحف[9].

وهذا هو المشهور: أن زيادًا هو الذي أمر أبا الأسود الدؤلي في ذلك، خلافًا لما هو متعارف عليه عند النحاة: أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أمر أبا الأسود الدؤلي بوضع قواعد النحو صيانة للنطق، وضبطًا للقلم[10]، فلو قلنا بهذا -أي أن عليًّا -رضي الله عنه- هو الذي أمر أبا الأسود الدؤلي بوضع قواعد النحو- فيكون هذا ضمن الإنجازات في زمن الخلفاء الراشدين فيما يتعلق بعلوم القرآن؛ لأن هذا يتصل بأي علم من علوم القرآن؟، يتصل بإعراب القرآن، فمن علوم القرآن علم إعراب القرآن، هذا لو صح، لكنه لا يصح وإن اشتهر عند النحاة؛ لأن هذه القصة جاءت بإسناد لا يثبت، يعني: أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- هو الذي أمر أبا الأسود الدؤلي بوضع قواعد النحو، حتى إن النحاة -وهذه فائدة عرضًا أذكرها- حينما يقولون: لماذا سمي علم النحو بالنحو؟ يذكرون لهذا عدة تعليلات، منها: يقولون: إن عليًّا -رضي الله عنه- قال لأبي الأسود الدؤلي: الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، ثم ذكر له بعض التفصيلات القليلة، ثم قال له: وانحُ نحو هذا[11]، يعني: انسج على هذا المنوال حتى تأتي على أجزاء هذا العلم وفروعه، فيقولون: لهذا سمي علم النحو بهذا الاسم، لكن هذه القصة لا تصح من جهة الإسناد.

إذن: قضية وضع ضوابط التشكيل على المصحف كانت بعد زمن الخلفاء الراشدين، وهكذا كانت المصاحف التي كتبها عثمان من غير نَقْط، وكانت من غير تشكيل، ما كان فيها لا ضمة، ولا فتحة، ولا كسرة، ولا سكون، وأيضًا من غير نقْط، فمن الذي وضع لها الشكل؟

في بعض الروايات: أن الذي وضعه أبو الأسود الدؤلي بأمر زياد[12]، وفي بعضها: أن الذي وضعه غير أبي الأسود الدؤلي.

وكذلك النَّقْط اختلفوا فيه، من الذي نقطها؟ لكنها نُقطت قطعًا بعد زمن الخلفاء الراشدين، فبعضهم كما يقول الداني في كتابه نَقْط المصاحف، يقول: "الذي نقطها هو أبو الأسود الدؤلي"[13].

وبعضهم يقول: هو: نصر بن عاصم الليثي، المتوفى سنة 89 ه[14]، وإن نصر بن عاصم الليثي هو الذي خمّسها وعشّرها[15]، ما معنى خمّسها؟ يعني: مثل الأجزاء الآن، جزء ونصف جزء، حزب وربع حزب، فأسباع القرآن وأخماس القرآن، يعني: تقسيم القرآن إلى خمسة أجزاء، خمّسها، وعشّرها يعني: تقسيمه إلى عشرة أجزاء، بحيث يُقرأ كاملا في كل عشرة أيام.

إذن: في بعض الروايات أن نصر بن عاصم الليثي المتوفى سنة 89 هـ هو الذي نقط المصاحف، هو أول من نقطها، وأنه هو الذي خمّسها وعشّرها.

وجاء في بعض الروايات أن ابن سيرين كان عنده مصحف نقطه يحيى بن يعمر المتوفى سنة 89 هـ، وقيل: 129هـ[16].

وجاء أيضا: أن يحيى هو أول من نقطها[17].

وأكثر العلماء على أن المبتدئ بذلك هو أبو الأسود الدؤلي، الذي جعل الحركات والتنوين فقط، ثم جاء بعده الخليل بن أحمد الفراهيدي، فحسن هذه الحركات، وأدخل عليها أشياء، مثل: الهمز، والتشديد، والروم، والإشمام[18].

وبعض العلماء يقولون: إن الحجاج بن يوسف الثقفي هو أول من أمر بنقط المصاحف، وبتجزئتها[19].

والحجاج كانت له جهود معروفة؛ لشدة عنايته بالقرآن، فهو من أكثر الأمراء عناية بالقرآن، حتى إنه جاء ببعض أئمة التابعين، كالحسن البصري، وأعطاهم شعيرًا، وأمرهم أن يعدوا حروف القرآن حرفًا حرفًا، فيقف عند النصف، والربع، والثلث، إلى أي حرف ينتهي، ويعدون الكلمات إلى أي حد تنتهي هذه الكلمة[20]، فهذا كان من زمن الحجاج، يعني: في القرن الأول الهجري عرفوا حروف القرآن، وعدد حروف القرآن، ومن نظر في الكتب المدونة كفنون الأفنان لابن الجوزي فسيجد أنهم يذكرون عدد كل حرف كم تكرر من مرة في كتاب الله -عز وجل، الميم كم تكرر، والدال، والسين، وما إلى ذلك، فوصلوا إلى هذا الحد، ويظن بعض الناس اليوم أن هذه العناية بالعدد ما وُجدت إلا هذه الأيام، وجاءوا لنا بما يسمى بالإعجاز العددي، هاهم عدوا من القرن الأول هذه الحروف بهذه الدقة.

فأقول أيها الإخوان: من الجهود المبذولة أيضًا في تلك الفترة -ما بعد عهد الخلفاء الراشدين: أن يحيى بن يعمر المتوفى سنة 89 هـ، كتب أيضا كتابًا في القراءة، جمع فيه اختلافات المصاحف المشهورة، لاحظ: هذا متوفى سنة كم؟ سنة 89 هـ، وإذا نظرت إلى الكتب المؤلفة في تاريخ القرآن فإن عامة هذه الكتب -إن لم يكن جميع هذه الكتب- إذا ذكروا أول جهد مبذول في ذلك ذكروا سفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج، وأمثال هؤلاء ممن تأخروا عن هذا الوقت زمنًا طويلا، فهذا يحيى بن يعمر المتوفى سنة 89 هـ كتب كتابًا في القراءة جمع فيه اختلافات المصاحف المشهورة، يعنى: وجوه القراءة التي فيها.

وذُكر أيضًا: أن سعيد بن جبير -رحمه الله- الذي قتله الحجاج سنة 94 هـ، أنه كتب تفسيرًا للقرآن لعبد الملك بن مروان، وعبد الملك بن مروان توفي سنة 86 هـ، ومعنى هذا: أن هذا التفسير كتب في وقت مبكر، يعني: قبل سنة 86 هـ، فعبد الملك بن مروان طلب من سعيد بن جبير أن يكتب له تفسيرًا، فكتب له تفسيرًا[21]، وبقي محفوظًا عند عبد الملك بن مروان.

وقد جاء في ترجمة عطاء بن دينار: قال أحمد بن صالح: "وتفسيره -يعني: عطاء بن دينار الذي يرويه عن سعيد بن جبير- فيما يروي عن سعيد بن جبير صحيفة"[22]، من أين جاءت هذه الصحيفة؟، هي التي كتبها سعيد لعبد الملك بن مروان.

وقال ابن أبي حاتم: "سئل أبي -يعني: أبا حاتم- عن عطاء بن دينار، فقال: هو: صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير"[23]، يعني: يرويه صحيفة، لا يرويه مشافهة، فهذا هو القرن الأول الهجري.

بعد ذلك جاء القرن الثاني الهجري، ووجدت فيه أشياء وكتابات، وبعض هذه الكتابات في الواقع كانت في القرن الأول الهجري، لكني صنفتها ضمن القرن الثاني بناء على تاريخ الوفاة فقط، تاريخ وفاة المؤلف، فمثلا: مجاهد بن جبر توفي سنة 104 هـ، فإذا نظرنا في الكتب التي تذكر فهارس المصنفات نجد أن مجاهد بن جبر كان له تفسير، وكذلك أيضا الضحاك بن مزاحم المتوفى سنة 105 هـ، كان له تفسير، وكذلك أيضا عكرمة مولى ابن عباس -رضي الله عنهما- المتوفى سنة 107 هـ، لكن متى جمعوا هذه الصحف في التفسير؟ لربما يكون قبل ذلك بمدة، يعني: في القرن الأول الهجري، وكذلك محمد بن كعب القرظي المتوفى سنة 108 هـ، كانت له أيضًا صحيفة في التفسير، وهكذا أيضًا الحسن البصري المتوفى سنة 110 هـ، كان له جزء في عد الآي، عدد آيات القرآن، وله أيضا جزء في نزول القرآن، وهكذا عطاء بن أبي رباح المتوفى سنة 114 هـ، له أيضًا تفسير، وهكذا أيضا قتادة السدوسي المتوفى سنة 117 هـ، وقيل: 118 هـ، كان له عواشر القرآن، والناسخ والمنسوخ، وهكذا عبد الله بن عامر اليحصبي المتوفى سنة 118 هـ، له اختلافات مصاحف الشام والحجاز والعراق، وله أيضًا جزء آخر اسمه: المقطوع والموصول، وغير هؤلاء كثير، كشعبة بن الحجاج بعد ذلك، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وابن جريج، وابن وهب.

وكان الغالب في التأليف في تلك المرحلة: الرواية، سرد الروايات، ولربما دخل مع التفسير أشياء أخرى من الحديث؛ لأنهم كانوا لربما جمعوا صحفًا في الحديث، منها ما يكون من قبيل التفسير للقرآن، ومنها ما يكون في غير ذلك من الموضوعات.

بعد ذلك جاء القرن الثالث الهجري، فكثر التأليف جدًّا، وأذكر على سبيل المثال فقط كتاب الناسخ والمنسوخ لعبد الوهاب الخفاف المتوفى سنة 204 هـ، وكتاب الناسخ والمنسوخ لحجاج الأعور المتوفى سنة 206 هـ، فكما تلاحظون قرب وفاة هؤلاء من القرن الثاني الهجري، فغالبا أن هذه المؤلفات كتبت في القرن الثاني الهجري، وكتاب إعراب القرآن لعبد الملك بن حبيب القرطبي المتوفى سنة 238 هـ، وكتاب إعراب القرآن لأبي حاتم سهل بن محمد السجستاني المتوفى سنة 248 هـ، وكتاب إعراب القرآن لأبي العباس المبرد المتوفى سنة 286 هـ، وكتاب إعراب القرآن لأبي العباس ثعلب المتوفى سنة 291 هـ، وغير هؤلاء كثير، كعبد الرزاق الصنعاني المتوفى سنة 211 هـ، وتفسيره موجود مطبوع، وأيضا أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة 224 هـ، له كتاب في القراءات، وله كتاب في الناسخ والمنسوخ، وله كتاب في فضائل القرآن مطبوع، وهو من أجل كتب فضائل القرآن، وفيه أكثر من تسعمائة رواية وأثر بالإسناد، وكذلك ابن المديني المتوفى سنة 234 هـ، ألف أسباب النزول، وابن قتيبة المتوفى: سنة 276 هـ، ألف مشكل القرآن، وغيره، فهؤلاء العلماء ألفوا في تلك الفترة، في القرن الثالث الهجري، وما ذكرته إنما هو مجرد أمثلة.

بعد ذلك جاء القرن الرابع الهجري، وفيه كثر التأليف عما هو عليه في القرون قبله، وفي هذا القرن أكتفي بذكر بعض الكتب التي انتقيتها لسبب وهو أن بعض العلماء، أو بعض من كتب يقولون: إنها كتب أُلفت في علوم القرآن خاصة، فأذكرها بدلا من أن أذكر كتبًا في الناسخ والمنسوخ والتفسير وما إلى ذلك.

فمن هذه الكتب: كتاب اسمه: الحاوي في علوم القرآن لمحمد بن خلف بن المَرزبان المتوفى سنة 309 هـ، هذا الكتاب كتب في القرن الرابع الهجري، فالعنوان كما ترون: الحاوي في علوم القرآن، فهل هذا الكتاب في علوم القرآن؟، الجواب: أن هذا الكتاب ليس في علوم القرآن، هذا الكتاب يقع في سبعة وعشرين جزءًا، وهو مفقود، وهذا الكتاب الذي يقع في سبعة وعشرين جزءًا هو من كتب التفسير بلا شك، وإن كان اسمه: الحاوي في علوم القرآن.

ومما أُلف في هذا القرن -القرن الرابع الهجري- كتاب الاستغناء في علوم القرآن لمحمد بن علي الأذفوي المتوفى سنة 388 هـ، فأنتم حينما تقرءون أول كتاب أُلف في هذا الفن فستجدون أن بعضهم يذكر هذا، وبعضهم يذكر هذا، وبعضهم يذكر كتبًا أخرى سأذكرها[24]، والواقع: أنها ليست في علوم القرآن، فهذا الكتاب قال عنه الداودي في كتابه: طبقات المفسرين: "وله كتاب في تفسير القرآن، سماه: الاستغناء، في مائة وعشرين مجلدًا، صنفه في اثنتي عشرة سنة "[25]، وبعضهم يذكر عنوانه: الاستغناء في علوم القرآن، فهذا الكتاب الذي يقع في مائة وعشرين مجلدًا، وألفه في اثنتي عشرة سنة هل هو في علوم القرآن؟ الجواب: لا، إنما هو كتاب من كتب التفسير، ولكن ما اسمه؟ اسمه: الاستغناء في علوم القرآن، وهذا الكتاب موجود، وقد حقق أحد الباحثين سورة الفاتحة منه، مع دراسة للكتاب.

ومن ذلك أيضا: كتاب تفسير القرآن لأبي الحسن الأشعري المتوفى سنة 324 هـ، وهذا الكتاب ذكرته لسبب، وهو أن بعض العلماء قالوا: إن هذا الكتاب هو كتاب المختزن في علوم القرآن لأبي الحسن الأشعري، وليس كذلك، فهذا الكتاب الذي اسمه: تفسير القرآن قال عنه المؤلف في تبيين كذب المفتري فيما نقله ابن عساكر، قال عنه: "وألفنا كتاب تفسير القرآن، رددنا فيه على الجُبائي والبلخي ما حرفا من تأويله"[26]، فهذا تفسير القرآن.

وأبو الحسن الأشعري أيضًا له كتاب آخر، اسمه: المختزن في علوم القرآن، وهما كتابان في الواقع، وليس كما ظن بعض المؤلفين أنهما كتاب واحد، فكتاب المختزن في موضوع آخر، يقول عنه مؤلفه: "وألفنا كتابًا في ضروب من الكلام، سميناه: المختزن، ذكرنا فيه مسائل للمخالفين لم يسألونا عنها، ولا سطروها في كتبهم، ولم يتجهوا للسؤال، وأجبنا عنها بما وفقنا الله تعالى له"[27]، وهذا الكتاب سماه الداودي في كتابه: طبقات المفسرين: المختزن في علوم القرآن، وقال عنه الداودي: "كتاب عظيم جدًّا، بلغ فيه سورة الكهف، وقد انتهى مائة جزء، وقيل: إنه أكبر من هذا"[28]، فإذن هذا الكتاب ليس في علوم القرآن.

وتاج هذه الكتب في القرن الرابع الهجري، وفي كل قرن مما كتب فيه في التفسير هو: تفسير كبير المفسرين، جامع البيان في تفسير القرآن لمحمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة 310 هـ، فهو أجلّ هذه الكتب، وأعظمها، وأكثرها نفعًا، والأمر كما قيل: الصيد في جوف الفراء.

ثم بعد ذلك كثر التأليف، وتتبُّع ذلك قرنًا قرنًا أمر يصعب، ولربما يطول؛ لذلك سأذكر الكتب المؤلفة في علوم القرآن فقط مما يكون حقيقة في هذا الفن، وليس مجرد عنوان مع مخالفة في المضمون، فمن الكتب المؤلفة في علوم القرآن:

كتاب صنفه ابن الجوزي، وهو مطبوع متداول، طبع عدة طبعات، اسمه: فنون الأفنان في عيون علوم القرآن، وابن الجوزي توفي سنة 597 هـ، يعني: في القرن السادس الهجري، وله كتاب آخر اسمه: المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن.

ثم جاء بعد ذلك السخاوي علم الدين المتوفي سنة 643 هـ، فألف في عدة موضوعات، فألف في الناسخ والمنسوخ، وقضايا متعددة، ثم ضم بعضها إلى بعض في كتاب واحد، سماه: جمال القُرَّاء وكمال الإقراء، وهذا الكتاب مطبوع متداول.

ثم جاء بعده أبو شامة المتوفى سنة 665 هـ، فصنف كتابًا سماه: المرشد الوجيز في علوم تتعلق بالكتاب العزيز، واقتصر فيه على بعض الموضوعات الأساسية، كجمع القرآن، وما يتعلق بالأحرف، وما يتعلق بالقراءات، وهذه أدق الموضوعات، وأخطر الموضوعات، فاقتصر على هذه الأشياء الضرورية، وترك الباقي، ولو أنه ألف في باقي الموضوعات على هذا المنوال لكان هذا الكتاب لا يجارى ولا يبارى في التحقيق والإتقان والضبط وتنقيح المعلومات، لكنه اقتصر على هذه الموضوعات الأساسية الدقيقة التي يشغب عليها الزنادقة كثيرًا قديمًا وحديثًا، فاقتصر في التأليف عليها، وليته كتب في الباقي، وأظن أنه لو كتب في باقي الموضوعات لكان كتابه مغنيًا عن كثير من الكتب، وكان غاية في التحقيق -والله تعالى أعلم، وهذا الكتاب مع جلالة قدره، وعظم ما فيه من التحقيق والتحرير، إلا أنه غير مشهور، وكان قبل مدة ليست بالبعيدة لا وجود له في الأسواق، مع أنه طبع قديمًا، وأما الآن فهو مطبوع ومتوفر.

بعد ذلك جاء الطوفي المتوفى سنة 716 هـ، فألّف كتابًا سماه: الإكسير في علوم التفسير، وهو مطبوع، وهذا الكتاب غلّب فيه الجوانب اللغوية والبلاغية.

ثم جاء بعد ذلك الزركشي المتوفى سنة 794 هـ، فألف كتابًا جامعًا، وهو من أجمع الكتب المؤلفة في هذا الفن إلى يومنا هذا، وهو من العمد، ومن خزائن هذا العلم، كتاب: البرهان في علوم القرآن، وهو مطبوع متداول.

ثم جاء بعد ذلك جلال الدين البلقيني المتوفى سنة 824 هـ، فألّف كتابًا سماه: مواقع العلوم من مواقع النجوم، قال عنه السيوطي: "فرأيته تأليفًا لطيفًا، ومجموعًا ظريفًا، ذا ترتيب وتقرير، وتنويع وتحبير"[29].

وفي هذا القرن أيضًا -وهو القرن التاسع الهجري- جاء محمد بن سليمان الكافِيَجي، قيل له: الكافِيَجي؛ لكثرة اشتغاله بالكافية في النحو، فقيل له ذلك، وهو متوفى سنة 873 هـ، فألّف كتابًا في هذا، قال عنه السيوطي: "فإذا هو صغير الحجم جدًّا، وحاصل ما فيه بابان..، إلى أن قال: فلم يشفِ لي ذلك غليلا، ولم يهدني إلى المقصود سبيلا"[30]، يعني: الكافِيَجي ألف كتابًا مختصرًا ما وصل إلينا.

بعد ذلك جاء السيوطي بموسوعته المشهورة، وهو كتابه الإتقان في علوم القرآن، والسيوطي توفي سنة 911 هـ، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله، وصحبه.



[1] أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره = جامع البيان، ت شاكر (1/75)، رقم: (71).

[2] أخرجه أحمد، رقم: (23482)، وقال محققو المسند: إسناده حسن من أجل عطاء، وهو: ابن السائب، والحاكم في المستدرك على الصحيحين: (1/743)، كتاب فضائل القرآن، أخبار في فضائل القرآن جملة، رقم: (2047)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

[3] أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، رقم: (4986).

[4] أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، رقم: (4987).

[5] انظر: تفسير الطبري = جامع البيان، ت شاكر (1/64).

[6] انظر: الإتقان في علوم القرآن (1/204).

[7] انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (8/300،301).

[8] انظر: المصدر السابق (8/301).

[9] انظر: المحكم في نقط المصاحف لأبي عمرو الداني (ص:3،4).

[10] انظر: طبقات النحويين واللغويين (ص:21)، وانظر: غرر الخصائص الواضحة (ص:248،249)، وإنباه الرواة على أنباه النحاة (1/39).

[11] انظر: شرح أدب الكاتب (ص:38)، وانظر: غرر الخصائص الواضحة (ص:248،249).

[12] انظر: المحكم في نقط المصاحف لأبي عمرو الداني (ص:3،4).

[13]- انظر: النقط لأبي عمرو الداني (ص:129).

[14] انظر: المحكم في نقط المصاحف لأبي عمرو الداني (ص:6).

[15] انظر: المصدر نفسه.

[16] انظر: النقط لأبي عمرو الداني (ص:129).

[17]- انظر: المحكم في نقط المصاحف لأبي عمرو الداني (ص:5).

[18] انظر: النقط لأبي عمرو الداني (ص:129).

[19] انظر: وفيات الأعيان (2/32).

[20] انظر: المصاحف لابن أبي داود (ص:276،277)، وانظر: البيان في عد آي القرآن (ص:74).

[21] انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (6/332).

[22] انظر: المصدر نفسه.

[23] انظر: المصدر نفسه.

[24]- انظر: جمال القراء وكمال الإقراء، ت عبد الحق (1/11)، وانظر: دراسات في علوم القرآن - فهد الرومي (ص:41).

[25] انظر: طبقات المفسرين للداوودي (2/197).

[26] انظر: تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري (ص:134).

[27] انظر: المصدر السابق (ص:133).

[28] انظر: طبقات المفسرين للداوودي (1/398).

[29] انظر:الإتقان في علوم القرآن (1/17).

[30] انظر: المصدر السابق (1/16،17).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about