لقد عشنا برهة من الزمن والناس يرجعون إلى أقوال علمائهم ويستفتونهم فيما وقع لهم من المسائل العارضة والمستجِدة، ثم يأخذون بما أفتوهم به، على اختلاف طبقات هؤلاء السائلين والمستفتين، فمنهم من يأخذ المسألة بدليلها، ويتمكن من معرفة شيء من ذلك، وله نوع من البصر في هذه القضايا، وكان الناس في خير كثير، وفي عافية مع وجود الأهواء، وهذا شيء لا ينكر في كل زمان...
إتباع هذه الرخص يؤدي إلى سقوط التكاليف، ومثلنا لذلك بجملة من الأمثلة، فالعبد يخرج عن التكليف الذي قد شق عليه، أو قد ثقل عليه، أو قد كرهه، أو خالف هواه، يخرج عنه بتتبع رخص العلماء، فإذا كان له شهوة في أمر ما وجد عالماً قد رخص له في هذا الأمر فأتبعه، فمعنى ذلك أنه قد خرج من ربقة التكليف في هذه القضية، فإذا كان له شهوة في أمر آخر اتبع رخصة أو قولاً...
بقي في الحديث عن تتبع الرخص قضيتان:
القضية الأولى: وهي ذكر بعض ما جاء عن العلماء -رضي الله عنهم- في ذم هذا المسلك.
والقضية الثانية: وهي في بيان الواجب على المكلف إذا اختلف العلماء، أو اختلفت أقوال العلماء أمامه، ما الذي يجب عليه أن يفعله؟
هذا هو المجلس الأخير الذي نتحدث فيه -إن شاء الله- عن هذه الآفة التي حدثناكم عنها في المجالس الماضية، وهي تتبع الرخص، بقي في الحديث الكلام على الواجب على المكلف حينما يطلب الحكم في مسألة من المسائل.