‏2) من قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ آية 5 إلى قوله تعالى يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ آي
عدد الزوار : 2374
تاريخ الإضافة : 12 جمادى الأول 1434
MP3 : 29720 kb
PDF : 183 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة المجادلة من الآية (5) إلى الآية (11)

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمستمعين وللمسلمين أجمعين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سورة المجادلة:5-7].

يخبر تعالى عمن شاقوا الله ورسوله وعاندوا شرعه {كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي: أُهينوا ولُعنوا وأُخزوا كما فعل بمن أشبههم ممن قبلهم، {وَقَدْ أَنزلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي: واضحات لا يخالفها ولا يعاندها إلا كافر فاجر مكابر، {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} أي: في مقابلة ما استكبروا عن اتباع شرع الله، والانقياد له، والخضوع لديه.

ثم قال تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً} وذلك يوم القيامة، يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا} أي: يخبرهم بالذي صنعوا من خير وشر {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} أي: ضبطه الله وحفظه عليهم، وهم قد نسوا ما كانوا عليه، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي: لا يغيب عنه شيء ولا يخفى، ولا ينسى شيئاً.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

قوله -تبارك وتعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}، المحادّة أصلها أن يكون هذا في حد وهذا في حد، يعني أصل ذلك من المفاعلة تكون بين طرفين وأكثر، هذا يكون في طرف وهذا يكون في طرف، مثل المشاقّة هذا في شق، وهذا في شق، والمعاداة هذا يكون في عُدوة وهذا يكون في عدوة الوادي، جانب الوادي، فالله -تبارك وتعالى- يذكر ذلك بعد ذكر هذه الأحكام المتعلقة بالظهار، بيّنَ حكمه وأنه محرم، وبين ما يترتب عليه من الكفارة، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}، كُبتوا هنا فسره بأُهينوا ولُعنوا وأخزوا.

فالكبت يأتي بمعنى ما ذكر، وهو تفسير له بما يقاربه، وفي الكبت معنى زائد على ما ذكر وهو أنه لم يتحقق لهم مطلوب، كما قال الله -تبارك وتعالى-: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا} [سورة الأحزاب:25]، فهؤلاء الذين يحادون الله ورسوله ويريدون إبطال شرائع الإسلام، وإطفاء نور الله -تبارك وتعالى-، لم يحصل لهم مطلوب ولم يتحقق لهم غرض، فهم كبتوا كما كبت الذين من قبلهم، فهذه سنة الله    -عز وجل- في هؤلاء المحادين.

{الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يشمل كل من كان قبلهم من هذه الأمة ممن كُبت قبل نزول هذه الآيات، كما يشمل أيضاً كل من كبتوا من الأمم السابقة.

قال: {وَقَدْ أَنزلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} يعني: واضحات، {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ}.

ثم قال: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ} هؤلاء المحادين، هؤلاء الكفار، {يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً}، هذا يحتمل معنيين:

المعنى الأول: أنه يبعثهم جميعاً كما ذكر الحافظ ابن كثير، وهذا قول الجمهور، أن الله يبعثهم جميعاً يعني مجتمعين، يبعث الله الأولين والآخرين، ويوم القيامة من أسمائه أنه يوم الجمع، فهو يوم الجمع، يُجمع فيه كما يقولون: يُجمع الأولون والآخرون، ويجمع أهل السماوات والأرض، ويجمع بين العامل وعمله، وبين المظلوم وظالمه، وبين العابد ومعبوده، كل هذا من معاني الجمع، فهنا {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً} المعنى الأول: أنه يبعث الأولين والآخرين.

المعنى الثاني: {يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً} يعني: أن الله يبعث هؤلاء جميعاً، يجمع ما تفرق من أجسادهم في الأرض، لا يفوته من ذلك شيء، لكن المعنى الأول هو الذي عليه عامة أهل العلم، وهو الأقرب وهو المتبادر، وهو الذي يدل عليه مواضع من كتاب الله -تبارك وتعالى.

قال: {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ}، فالنبأ أخص من مطلق الخبر، فكل نبأ فهو خبر، وليس كل خبر فهو نبأ، فالنبأ هو الخبر الذي له شأن، وهذه الأمور يترتب عليها مصير هؤلاء فهي أنباء.

قال: {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ}، أحصاه أي ضبطه وحفظه عليهم، جمعه، لم يفت منه شيء كما قال الله -عز وجل-: {وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [سورة الكهف:49]، {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ}، وهم نسوه لكثرته أو لقلة مبالاتهم، أو لتقدم زمانه وتقادمه، يعني هذا من زمان، فهم ينسون هذه الذنوب التي مضى عليها وقت طويل، ولكن الله -تبارك وتعالى- أحصى ذلك عليهم جميعاً، والله على كل شيء شهيد، فالشهيد -كما مضى في الكلام على الأسماء الحسنى- فيه زيادة على معنى العلم      –الشهود-، فالله -تبارك وتعالى- يعلم أحوال العباد وأعمالهم، كما أنه -تبارك وتعالى- مشاهد لهم، شاهد عليهم بهذه الأعمال، حاضر لا يغيب، وهو على عرشه -تبارك وتعالى- فوق سماواته.

ثم قال تعالى مخبراً عن إحاطة علمه بخلقه واطلاعه عليهم، وسماعه كلامهم، ورؤيته مكانهم حيث كانوا وأين كانوا، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ} أي: من سر ثلاثة {إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} أي: مطلع عليهم يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ورسلُه أيضاً مع ذلك تكتب ما يتناجون به، مع علم الله به وسمعه له، كما قال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ} [سورة التوبة:78] وقال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [سورة الزخرف:80]؛ ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علم الله تعالى ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضاً مع علمه محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه تعالى مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء.

ثم قال تعالى: {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} قال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم، واختتمها بالعلم.

هو هذا، قوله -تبارك وتعالى-: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ}، هذا ابتداء الآية بالعلم، واختتامها كذلك بالعلم {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، فهذه قرينة تدل على المراد، فليس هذا من التأويل، وأهل السنة والجماعة لم يؤولوا شيئاً من نصوص الصفات، فالله -تبارك وتعالى- فوق عرشه، كما تضافرت النصوص بذلك، وكذلك أيضاً هو مطلع على خلقه محيط بهم، فهذه معيته العامة التي هي بمعنى الإحاطة     -العلم-، فبصره نافذ فيهم، وكذا سمعه -تبارك وتعالى.

فهنا {أَلَمْ تَرَ}، الرؤية هنا رؤية علمية؛ لأن مثل هذا لا يُرى بالأبصار، {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ}، يعني: بعلمه -تبارك وتعالى.

{مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ} النجوى في الأصل مصدر، وهي بمعنى حديث السر، وبعضهم يقول: أصلها مأخوذ من النَّجْوة وهي المكان المرتفع من الأرض، أي مكان بائن، وبعضهم يقول: لأن السر يصان عن الغير، فكأنه رفع من حضيض الظهور إلى حال الخفاء، يعني: هذا المكان المرتفع النجوة، فعلى كل حال هذا المكان المرتفع هو متميز عن غيره، فكأن هؤلاء الذين يتناجون يمتازون عن الآخرين، يقصدون الانفراد عنهم والتميز، والاختصاص بهذا الحديث، فالمناجاة لا تكون إلا بين اثنين فأكثر، فإذاً هي حديث في السر يقصد به الاختصاص والانفراد، وحينما نقول: الحديث في السر قد يذهبون ويتحدون في ما بينهم بصوت مرتفع، لكن بحيث لا يسمعهم أحد، فهو بهذا الاعتبار يكون سراً، فيقصد به الانفراد، ويدخل في حكمه كل ما كان يرجع إلى ذلك، بمعنى حتى لو تكلموا بحضرة الناس، ولكن يتكلمون ويتقصدون أن يتحدثوا بلغة لا يفهمها الآخرون، لا يفهمها الطرف الآخر الموجود، فهذا الطرف الثالث لا يعرف اللغة الأعجمية، فيتحدثون بالأعجمية من أجل ألا يفهم، وهو جالس معهم ويسمع الكلام، فهذه تعتبر من النجوى من حيث الحكم، لكن هي هكذا في أصلها أنها الحديث الذي يقصد به الانفراد عن الناس، {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} ليس بعد هذا شيء، فإذا كان الإنسان يتحدث ويقصد بهذا الحديث الانفراد والسر، فإن الله -تبارك وتعالى- مع هؤلاء المتناجين بعلمه، لا يخفى عليه منهم خافية، بل إنه أسمع لكلامهم من بعضهم لبعض، وهذا يحمل العبد على مراقبة الله -تبارك وتعالى- والتحرز، {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [سورة النساء:114]، فكل حديث لربما يبالغ أصحابه في التخفي وفي صيانته عن الظهور مما يُكاد به الإسلام وتُحارب به الفضيلة فإن الله -تبارك وتعالى- يعلمه، وقد أحاط بهؤلاء وسمع كلامهم، وكتب ذلك جميعاً، ثم سينبئهم به ويقول: قلتم كذا وكذا في وقت كذا وكذا، وفي مكان كذا، فالذي يعرف هذا الكلام وهذه النتيجة فإنه يتحرز ولا يستطيع أن يتناجى إلا بما يرضي الله -تبارك وتعالى-، مما يكون حقاً في موضعه، وله فيه نية صحيحة، لابد من هذه الأمور الثلاثة، قد يكون حقاً لكن ليس في موضعه، فيكون ذلك عائداً إلى الفساد، ويكون له فيه نية صحيحة، فقد يناجي الإنسان لأغراض ومقاصد فاسدة، وإن كان موضوع النجوى بظاهر الأمر محموداً، فقد يقصد بهذه النجوى حظوظاً نفسية، ورفعة، وحظوة، أو ثناء الخلق، وما إلى ذلك، يعني أنه يُعنى بكذا، وأنه حريص على كذا، أو أنه يخفي عمله، أو أنه لا يريد الاشتهار بالمعروف والخير، وإنما يقصد به ما عند الله -تبارك وتعالى- فهو لا يذكره إلا على أضيق نطاق مما عنده من أعمال البر والخير التي يريد أن يعملها فيستشير فيها فلاناً وفلاناً، هذه كلها عند الله -عز وجل- لا يعلمها إلا هو، فلابد من هذه الأمور الثلاثة، يكون المضمون صحيحاً، ويكون أيضاً ذلك في موضعه الصحيح، والثالث: أن يكون له قصد صالح، وإلا فإن ذلك يرجع إلى الفساد، كما سبق، -والله المستعان.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [سورة المجادلة:8-10].

قال ابن أبي نَجِيح عن مجاهد {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثم يعودون لما نهو عنه} قال: اليهود. وكذا قال مقاتل بن حيان وزاد: كان بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين اليهود موادعة، وكانوا إذا مر بهم الرجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- جلسوا يتناجون بينهم، حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله -أو بما يكره المؤمن- فإذا رأى المؤمن ذلك خَشيهم، فترك طريقهم عليهم، فنهاهم النبي  -صلى الله عليه وسلم- عن النجوى، فلم ينتهوا وعادوا إلى النجوى، فأنزل الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ}.

وقوله تعالى: {وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} أي: يتحدثون فيما بينهم بالإثم، وهو ما يختص بهم، والعدوان وهو ما يتعلق بغيرهم، ومنه معصية الرسول ومخالفته، يُصِرون عليها ويتواصون بها.

وقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} روى ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: دخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقالت عائشة: وعليكم السام، قالت: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يا عائشة، إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش))، قلت: ألا تسمعهم يقولون: السام عليك؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أوَمَا سمعتِ أقول: وعليكم؟))، فأنزل الله: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ}([1]).

وفي رواية في الصحيح أنها قالت لهم: عليكم السام والذَّام واللعنة، وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا))([2]).

وروى ابن جرير عن أنس بن مالك: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بينما هو جالس مع أصحابه، إذ أتى عليهم يهودي فسلَّم عليهم، فردوا عليه، فقال نبي الله -صلى الله عليه وسلم-: ((هل تدرون ما قال؟))، قالوا: سلم يا رسول الله، قال: ((بل قال: سام عليكم، أي: تسامون دينكم))، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ردوه))، فردوه عليه، فقال نبي الله: ((أقلت: سام عليكم؟))، قال: نعم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا: عليك))([3]) أي: عليك ما قلت، وأصل حديث أنس مخرج في الصحيحين، وهذا الحديث في الصحيح عن عائشة بنحوه.

وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} أي: يفعلون هذا، ويقولون ما يحرفون من الكلام وإيهام السلام، وإنما هو شتم في الباطن، ومع هذا يقولون في أنفسهم: لو كان هذا نبياً لعذبنا الله بما نقول له في الباطن؛ لأن الله يعلم ما نسره، فلو كان هذا نبياً حقّاً لأوشك أن يعاجلنا الله بالعقوبة في الدنيا، فقال الله تعالى: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ} أي: جهنم كفايتهم في الدار الآخرة {يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو: أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: سام عليك، ثم يقولون في أنفسهم: {لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ}؟، فنزلت هذه الآية: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} إسناد حسن ولم يخرجوه.

قوله -تبارك وتعالى-: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ}، مَن هؤلاء الذين نهوا عن النجوى؟ هم اليهود كما قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا، والدليل على أنهم اليهود أمران يكفي كل واحد منهما في الدلالة على أن المراد به اليهود، الأمر الأول: قرينة في نفس الآيات، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ}، قال: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ}، من الذين يحيونه بما لم يحيه به الله؟ هم اليهود، فهذا حديث عنهم، هؤلاء الذين نُهوا عن النجوى، فهذه قرينة في الآية تدل على أن المراد اليهود، والأمر الثاني: هو سبب النزول، وهو حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما-، فهي نازلة في اليهود.

قال: {وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، هو النهي {نُهُوا عَنِ النَّجْوَى}، الذي نهاهم هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهؤلاء اليهود كانوا إذا رأوا أحداً من المسلمين يتناجون، فيأخذه ما قرب وما بعد، يأتمرون به، هؤلاء عندهم أسواق، عندهم مواضع، مكان لتجمعهم، وإقامتهم، فيأتيها المسلمون ويغشوا أسواقهم، فيبدءون يتناجون.

{وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، والنهي عن النجوى هنا في بيئة يمكن أن يوجد فيها بؤر للتآمر من المنافقين واليهود، وهؤلاء يجتمعون لحرب الإسلام، فقطع الطريق على هؤلاء بالنهي عن التناجي؛ لأن التناجي هو مبدأ الشر والفتنة، تبدأ بالنجوى ثم بعد ذلك تتحول إلى شيء آخر، إلى عمل خارجي يفسدون به، ويحولون جمع الناس إلى فرقة، وهذا الذي يناجي أول ما يبدأ ذلك أنه يلقي الكلمة فإن وجد من يصغي إليها زاده أخرى، ثم بعد ذلك يلقي إليه ثالثة، ثم بعد ذلك يتمكن منه، فيلقي في قلبه ما شاء، فيتغير قلبه على إخوانه، ولو كان ذلك بلبوس الإصلاح أحياناً، يعني يأتي بها بثوب إصلاح، ولا يعجبه هذا الوضع القائم، يريد أفضل من هذا، كما كان الذين يتناجون في عهد عثمان مثلاً -رضي الله عنه- حتى جاءوا بهذه الجموع من الآفاق، وحاصروه -رضي الله عنه- وقتلوه في داره، فكان مبدأ ذلك النجوى عن طريق عبد الله بن سبأ وأهل البدع، ولهذا جاء عن بعض السلف -رضي الله عنهم- ما يدل على هذا في أبواب الاعتقاد أن الدين إذا كان نجوى فذلك يعني أنهم على ضلالة، أو يؤسسون ضلالة، فالدين معروف، فإذا كان دين هؤلاء نجوى، ليس المقصود أنهم يكونون في حالة من الاستضعاف فيتذاكرون ويتعلمون سراً، وإنما المقصود في البيئات الصحيحة، البيئات السليمة ويكون الدين بينهم نجوى فهذا يعني أنهم يؤسسون شراً، فهذا طريق في العلاج لمثل هذه المعضلات والمشكلات، ومنابت الشر، وبؤر التآمر، كما كان أيضاً هديه -صلى الله عليه وسلم- لما قال أهل الإفك ما قالوا، فأسرع بهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على غير عادته، وسار بهم سيراً متواصلاً، لم يكن -صلى الله عليه وسلم- من عادته أنه يفعل ذلك بأسفاره فكان رفيقاً بالناس، ينزل بهم، ولكنه واصل السير من أجل أن يشغل الناس، فلما نزل -عليه الصلاة والسلام-، ما لا مست أجسادهم الأرض حتى ناموا، يعني هم في غاية الإنهاك، ما في مجال للنجوى، لا يوجد أحد عنده عرق يتحرك، يستطيع أن يتناجى ويتفرغ للحديث، ويدور بينهم شيء من هذا الإفك، فأشغلهم بهذا، هذه طريقة، ولهذا تجد في ثنايا تلك الآيات {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [سورة الأحزاب:41]، أي اشتغلوا بالذكر بدلاً من الاشتغال بالقيل والقال، والحديث عن مثل هذه القضايا، سواء قضية الإفك، أو القضية الأخرى وهي تزوج النبي -صلى الله عليه وسلم- من زينب امرأة زيد وهو كان يُدعى للنبي -صلى الله عليه وسلم-، يقال: زيد ابن محمد، وكان هذا من أعظم الجرم والفجور عند أهل الجاهلية، فسيتحدث المنافقون فأمر الله بالاشتغال بكثرة الذكر، قال: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ}، هذه الأمور الثلاثة ما الفرق بينها؟ الإثم من حيث هو يطلق على الذنب، ويطلق يعني على المعصية، ويطلق أيضاً على الأثر، أثر الذنب الأثر الأخروي، يعني بمعنى أن تقول: من فعل ذلك فهو آثم، هذا يترتب عليه الإثم يعني المؤاخذة، كما أنه يطلق على نوع من الذنوب خاصة وهو الخمر، شربتُ الإثمَ حتى ضلّ عقلي، يقصد الخمر، فالعرب تسميها إثماً، فهي أم الآثام، فهنا {وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ} يعني: ما يوجب الإثم، يعني المعصية، يعني الأمور التي لا يحبها الله -تبارك وتعالى- ولا يرضاها، والعدوان: هو نوع من الآثام لكنه متعدٍّ، يعني هم يتناجون بأمور من المخالفات من مساخط الله، ويتناجون أيضاً بالعدوان، بأمور فيها إيصال الضرر للمسلمين، يحيكون المؤامرات، {وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} هذا يشمل ما سبق، فمعصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- تشمل الإثم وتشمل العدوان، وكأن هذا -والله تعالى أعلم- فيما يتصل بما نهوا عنه {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى}، والذي نهاهم هو النبي    -صلى الله عليه وسلم-، فيتناجون بالإثم والعدوان ومعصيته -عليه الصلاة والسلام-، في شأن النجوى، وفيما يدبره من سياسة الناس، وإدارة شئون الدولة، وهم يريدون تعويق ذلك، وتفكيك ما يدبره النبي -صلى الله عليه وسلم- ويفتله.

{وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ}، أصل التحية هي أول ما يقال عند اللقاء، وأصل ذلك أن الرجل يقول لمن يلقاه: حياك الله، أصلها دعاء له بالحياة، حياك، أحياك، ولهذا تجدهم يختصرون هذا أحياناً يقولون: حياك، أحياك الله، دعاء له بالحياة، ثم صار ذلك يقال على ضرب من التوسع في الاستعمال لكل ما يقال في أول اللقاء، فلو قال له: مرحباً يقال لها: تحية، صباح الخير هذه تحية، السلام عليكم هذه يقال لها: تحية، فهؤلاء كانوا يلقون السلام ظاهراً، ويلوون ألسنتهم به وهم في الواقع يقولون قولاً منكراً، {حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ}، يدل عليه الروايات السابقة أنهم يقولون: السام عليك.

{وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ}، تحتمل معنيين، المعنى الأول، ما هو؟ أنه يقولونه فيما بينهم، يقولونه في أنفسهم، وسبق في عدد من المناسبات أن النفوس المشترِكة في أمر كالدين، والمذهب، والملة تنزّل منزلة الواحدة، {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم} [سورة البقرة:188] أي: لا يأكل بعضكم مال بعض، {فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ} [سورة البقرة:54] يعني: فليقتل بعضكم بعضاً، في توبة بني إسرائيل لما عبدوا العجل، {فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ}، {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} [سورة البقرة:85] يعني: يقتل اليهودي أخاه اليهودي، يعني يقتل بعضكم بعضاً، هذا معناه، وهذا محرم عليهم، وهنا {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ} يقول بعضهم لبعض يعني سراً: {لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ}، وتحتمل معنى آخر وهو أن الواحد يقول في خاصة نفسه هو، يحدث نفسه، والقول والحديث والكلام إذا قيد في النفس فإن ذلك صحيح في كلام العرب، ويدل عليه القرآن كهذا الموضع على هذا التفسير، يعني: أهل السنة حينما يردون على المتكلمين الأشاعرة مثلاً، أو على الأشاعرة من المتكلمين الذين يقولون بالكلام النفسي: إن كلام الله معنى واحد قائم بالنفس، يقولون: هو المعنى فقط أما اللفظ فمخلوق، هذا كلام الأشاعرة، سواء اللفظ من عند جبريل أو من النبي -صلى الله عليه وسلم-، على خلاف بينهم، ويقولون الكلام كلام الله -تبارك وتعالى-، يقولون: القرآن كلام الله، ويردون على المعتزلة، لكن ما مرادهم بكلام الله؟ يقولون: المعنى فقط، أما الألفاظ فحادثة، وكلامهم في هذا معروف أنه من أبطل الباطل ولا يمكن أن يُتصور، فمن جملة الرد عليهم أن الكلام والقول والحديث هذا مثل الإنسان، الإنسان بمجموع الأمرين الروح والجسد، فالروح وحدها لا يقال لها: إنسان، والجسد وحده لا يقال له: إنسان، يقال: جثة، فمجموع الروح والجسد يقال له: إنسان، فكذلك الكلام والحديث لابد أن يكون باللفظ والمعنى، أما ما يدور في نفس الإنسان من غير أن يتكلم به، يتحرك به لسانه ويجري عليه فمثل هذا لا يقال له كلام عند الإطلاق، ولا قول ولا حديث، ولكنه يكون مقيداً، قال في نفسه، حدث نفسه، زوّرتُ في نفسي حديثاً، في نفسي، فيكون بالقيد، فهنا يقولون: {فِي أَنفُسِهِمْ} على هذا المعنى الثاني أن الواحد يحدث نفسه بهذا، يقول: لو كان رسولاً لعذبنا كيف نقول له: السام عليك؟، وأيضاً لاستُجيب له فينا، هو يقول: وعليكم، فما وقع لنا شيء، فلنزل بنا العذاب بسبب قولنا هذا؟، ولولا هنا {لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ} بمعنى: هلا، فإن لولا تكون تارة للتبكيت إذا كان في أمر لا يمكن استدراكه، أمر ماضٍ، {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ} [سورة هود:116] أمم مهلكة، {أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ}، وإذا كان على أمر مستقبل أو في أمر مضى يمكن استدراكه فإنها تكون بمعنى التحضيض.

{حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ} يعني: كافيتهم، {يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ}، وهذه المادة يصلى تفيد معنيين، المعنى الأول: الدخول، والمعنى الثاني: هو مقاساة حر النار، لقوله: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى} [سورة الليل:15] يعني: لا يدخلها، أو لا يقاسي حرها، وكلاهما صحيح.

ثم قال الله تعالى مُؤدّباً عباده المؤمنين ألا يكونوا مثل الكفرة والمنافقين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} أي: كما يتناجى به الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومَن مالأهم على ضلالهم من المنافقين، {وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي: فيخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم التي أحصاها عليكم، وسيجزيكم بها.

ثم قال تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أي: إنما النجوى -وهي المُسَارّة- حيث يتوهم مؤمن بها سوءاً {مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} يعني: إنما يصدر هذا من المتناجين عن تسويل الشيطان وتزيينه، {لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} أي: ليسوءهم، وليس ذلك بضارهم شيئاً إلا بإذن الله، ومن أحس من ذلك شيئاً فليستعذ بالله وليتوكل على الله، فإنه لا يضره شيء بإذن الله.

وقد وردت السنة بالنهي عن التناجي حيث يكون في ذلك تأذٍّ على مؤمن، كما روى الإمام أحمد عن     عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجَى اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك يحزنه))([4])، وأخرجاه من حديث الأعمش.

وروى عبد الرزاق عن ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه؛ فإن ذلك يحزنه))([5])، أخرجه مسلم.

قوله -تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، هذه على طريقة القرآن في الغالب أنه إذا نهى عن شيء فاسد محرم أمرَ بما يكون فيه الصلاح والإصلاح والنفع، فوجّه الخطاب للمؤمنين، فهذه النجوى التي قال الله -تبارك وتعالى- عنها: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} فمعنى {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا}، قيل: هذا في مناجاة المنافقين، كما يقوله ابن جرير   -رحمه الله-، وسبقه إلى ذلك قتادة، مثلاً المنافقون يتناجون من أجل أن يظن الظان من المسلمين ممن يراهم أنه يعني جُمعت جموع وحشدت حشود لغزوهم وحربهم، فتذهب أوهامهم هنا وهنا، ويضربون أخماساً بأسداس.

وبعضهم كابن زيد يقول: إن الرجل كان يأتي للنبي -صلى الله عليه وسلم- ليُرى أنه يناجي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكانت أرض حرب، والناس يقع لهم بسبب ذلك من المخاوف ما هو معلوم.

وبعضهم يقول: هي أحلام النوم المزعجة، {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا}، وهذا فيه بعد، يعني باعتبار أنها الرؤى هذه المزعجة مثلاً، والنبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر أن الرؤيا السيئة من الشيطان، وأنها لا تضره، فهي من أجل أن يحزن الإنسان، لكن {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ} يحمل ذلك على النجوى المذمومة، نجوى المنافقين، نجوى اليهود، النجوى التي نهى الله عنها، فهذه من الشيطان، {لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا}؛ لهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث))، فإذا وقع ذلك يعني تناجوا من غير إذنه فإنه يقع المحذور {لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا}، إذاً هذه النجوى منهي عنها فهي محرمة؛ لأنها من الشيطان، {إِنَّمَا النَّجْوَى} وكل نجوى محرمة فهي داخلة في ذلك، تدخل فيها نجوى اليهود، ونجوى المنافقين، ويدخل في ذلك أيضاً النجوى التي قد تقع من بعض المسلمين، ولكن تكون من قبيل المحرم، لا الأخرى التي قال الله فيها: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ}، الله -تبارك وتعالى- أمر المؤمنين إذا تناجوا {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} هذا يدل على أن أصل النجوى مباح، وليس بمحرم، لكن ينبغي أن يوجه الوجهة الصحيحة، فلا تتناجوا؛ لأن ذلك مما يحتاج إليه، فقد يُخفي الإنسان ذلك طلباً للإخلاص في العمل، قد يكون من شئونه الخاصة، وقد لا يكون ذلك أيضاً، يكون في الأمور العامة لكن لا يحسن إذاعته وإفشاؤه؛ لما يحصل بسبب ذلك من الإرجاف والمفاسد، ونحو هذا، {فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى}، هذا الذي يحصل به النفع.

البر والتقوى من أجمع الألفاظ، والفرق بينهما أن البر يشمل كل محابّ الله -عز وجل-، كل ما يحبه الله فهو من البر، هذه التي يسمونها الحقائق الشرعية، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله- في كتابه القواعد الحسان تكلم على هذه المعاني، في إحدى القواعد التي أوردها، وتجد هذا في ثنايا كلام شيخ الإسلام، وفي ثنايا كلام ابن القيم -رحمه الله-، وقد جُمع فيه كتاب مستقل "الحقيقة الشرعية في القرآن"، فالبر كل محابّ الله -تبارك وتعالى- تدخل فيه، والتقوى تشمل هذا، يعني: جميع محاب الله، وكل ما أمر الله به أمر إيجاب أو أمر استحباب، ويدخل فيه الجانب الآخر وهو ترك مساخطه، يعني التقوى فعل المأمورات واجتناب المحظورات، وبهذا الاعتبار تكون التقوى أوسع وأعم من البر، فيكون من قبيل عطف العام على الخاص، {وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى}، فجاء بهذه الألفاظ العامة الواسعة، يعني كل ما كان من محاب الله -عز وجل- فهو داخل في ذلك، مما يكون فيه نفع ومصلحة، كما قال الله -عز وجل-: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ}، ثم ذكّرهم الله قال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}، فسيصيرون إليه، ويحشرون إليه، يجمعون إليه جميعاً في صعيد واحد، ويحاسبهم ويجازيهم على أعمالهم، إذاً هذه النجوى ينبغي أن تكون محسوبة، مراعى فيها ما ذكر تكون بالبر والتقوى، لا لشيء آخر، والله سيجازيكم ويحاسبكم على ذلك، قال: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا}، هذه جوانب تدل على كمال هذه الشريعة، فنهي عن النجوى؛ لما فيها من الفساد أو الإفساد أو الضرر الاجتماعي، سواءً كان على مستوى الأفراد أو مستوى الأمة؛ لأنها كما سبق منشأ المؤامرة وقالة السوء، وكذلك بين الأفراد قد يكون هذا أيضاً كذلك، وأقل ما يحصل بسببها الإيحاش، يعني تجد أن هذا الذي يُتناجى دونه، ((فلا يتناجى اثنان دون الثالث))، كذلك ثلاثة دون الرابع، لكن يتناجى اثنان دون اثنين لا إشكال في هذا، لكن إذا بقي وحده يحصل الإيحاش له، من أي جهة كان، مثلاً قد يقع في وهمه أو يوقع الشيطان ذلك في وهمه أن هؤلاء يأتمرون به، أن الحديث الذي يدور يختص به، يتعلق به، في أمر يخصه، فتأخذه الظنون، والمخاوف تذهب به هنا وهناك، {لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا}، هذه الحالة الأولى.

الصورة الثانية، أو الحالة الثانية: أنه قد يثق بهؤلاء أنهم لا يتآمرون عليه ولا يريدون به سوءاً، ويشعر أنه في نظر هؤلاء لم يصل إلى تلك المنزلة من الثقة والعلاقة والمكانة في نفوسهم بحيث يدخلونه معهم في هذا الحديث، هم يريدون التحدث دونه لا يريدونه أن يسمع، إذاً هذا يعطيه انطباعاً أنه لم يصل معهم إلى حال من الثقة أو المنزلة في نفوسهم، بحيث يدخلونه ويشترك معهم في هذا الحديث، فهم يتحاشونه فيحزن، هو يثق أن الحديث لا يدور عنه، وأن هؤلاء لا يريدون به إلا خيراً، ولكن يقع الحزن فيتسلل إلى نفسه مما يلقيه الشيطان في قلب العبد، فيحصل له شيء من الانكماش والانقباض، والوحشة، والفتور في علاقته مع هؤلاء، فتضعف نبرته في الحديث، وتذبل عينه، ويعتريه شيء من الخمول، والشعور بالغربة في هذا المجلس، أو بنوع من الغربة، فالشريعة راعت هذا لئلا يحزن المؤمن، فالشيطان يأتيه في هاتين الحالتين: إما النوم بالرؤى المزعجة، فقال له: هذا ما يضرك، لا تلتفت إليه، لا تحزن، أو في اليقظة عن طريق هذه النجوى، فمنعهم منها، فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإذا قالوا: عن إذنك عندنا حديث بيننا، تأذن في موضوع بيننا نريد أن نتحدث فيه وننهيه، تجد أنه ينشط ويقوى، وتنبعث نفسه على النشاط، ويبادرهم بأن ذلك لهم، ويكون في حال من التألق والنشاط، لاحظْ الفرق بين الحالتين، إلا بإذنه، حيث إنهم أعطوه اعتباراً، وراعوا وجوده، فلم يكن بالنسبة إليهم مصغى لهم الإناء، مَهيض الجناح، يتحدثون وكأنه لا شيء بالنسبة إليهم، لا يعني شيئاً، هذا من كمال هذه الشريعة التي لم يعرف قدرها كثير من المنتسبين إليها، والله المستعان.

ثم ختم الآية بقوله: {وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، وهكذا في كل ما يعتري الإنسان من المخاوف، الشيطان يلقي في قلبه، كما قال الله -عز وجل-: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ} [سورة آل عمران:175]، يعني يضخم هؤلاء، أي أولياء الشيطان، وجند الشيطان، يضخمهم في نفس العبد، من أجل أن يخاف منهم، يخوفكم يعني من أوليائه، {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ}، ويعطيهم هالة، وشيئاً من العظمة الزائفة، من أجل أن تخافوهم، فالله -عز وجل- يقول: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، يخوفكم منهم، فهنا {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، فيفوض الإنسان أمره إلى الله، فالله بيده النفع والضر، ونواصي الخلق تحت قبضته -سبحانه وتعالى-، وإذا توكل عليه العبد فهو حسبه، {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [سورة الطلاق:3] يعني: كافيه، فتتلاشى المخاوف من نفس الإنسان، وتذهب عنه الأوهام وإلا فإنه يكون أسيراً لها، لا يهنأ بأكل ولا نوم ولا مطالعة ولا غير ذلك، الوهم يلاحقه، والشيطان يملأ قلبه من هذه الأمور التي لا حقيقة لها.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [سورة المجادلة:11].

يقول تعالى مؤدباً عباده المؤمنين وآمراً لهم أن يحسن بعضهم إلى بعض في المجالس: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ} وقرئ {في المجلس}، {فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} وذلك أن الجزاء من جنس العمل، كما جاء في الحديث الصحيح: ((من بَنَى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة))([6])، وفي الحديث الآخر: ((ومن يَسَّر على مُعْسِر يَسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه))([7])، ولهذا أشباه كثيرة؛ ولهذا قال تعالى: {فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ}.

قال قتادة: نزلت هذه الآية في مجالس الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلاً ضَنّوا بمجالسهم عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأمرهم الله تعالى أن يفسح بعضهم لبعض.

وروى الإمام أحمد والشافعي عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا يقيم الرَّجلُ الرَّجلَ من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تَفَسَّحُوا وتَوسَّعوا))([8])، وأخرجاه في الصحيحين.

وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم))([9])، ورواه أيضاً بلفظ: ((لا يقوم الرجلُ للرجل من مجلسه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم))([10])، تفرد به أحمد.

قوله -تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ}، هناك نَهَى عن النجوى، وهي كما سبق قصد الانفراد في الحديث، إذاً يكون حديثهم مشتركاً مع الآخرين، يعني في المجلس يشتركون معهم، فذكر لهم آداب المجالس، لما نهاهم عن النجوى والانفراد والاختصاص، إذاً سيكون الحديث في المجالس يشترك فيه الجميع، لا ينفردون عنهم، فما هي آداب هذه المجالس؟

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ}، {تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ}، قراءة عاصم هي هذه التي نقرأ بها، وقراءة الجمهور {في المجلس}، وما الفرق بين القراءتين؟ هذه جمع وهذه مفرد، ولكن المفرد بمعنى الجمع؛ لأن المجلس اسم جنس، فيصدق على المجلس الواحد وعلى المجالس، {تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ}، الحافظ ابن كثير يقول: إن المراد بها أن يحسن بعضهم إلى بعض في المجالس، وبعضهم يقول: هي مجالس النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان الرجل لربما يسبق إلى القرب من مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كانوا يتفانون في محبته وفي القرب منه -عليه الصلاة والسلام-، فلربما جاء الرجل من أهل العلم فلم يجد مكاناً يسمع فيه كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- فيظل بعيداً، أو نحو ذلك، فأُمِروا بالتفسح في المجالس، ولهذا عقب بعدها بقوله: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}، فهؤلاء الذين أوتوا العلم هم أولى بالقرب من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنهم يسمعون كلامه ويعونه ويفقهونه، لكن قد يكون بالقرب منه -يسبق إلى القرب منه- مَن ليس كذلك، لا يكون فقيهاً، ولا يعقل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأُمروا بالتفسح، وفي حديث عبد الله بن عمر       -رضي الله تعالى عنه- مرفوعاً النهي عن أن يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه، قال: ((ولكن تفسحوا))، بل كان ابن عمر -رضي الله عنه- إذا قام له أحد من مجلسه لم يجلس فيه، مع أن النهي أن يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه، لا يقل له: قم، لكن يتفسحوا، أُمروا بالتفسح، وفعل ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- لا يدل عليه الحديث، لكن لكمال أدبه -رضي الله تعالى عنه- ما كان يجلس في مكان أحد ولو قام له عنه، وإلا فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا جاء قامت إليه فاطمة -رضي الله عنها- وأخذت بيده وأجلسته في مجلسها، وهكذا كان يفعل معها -عليه الصلاة والسلام.

وبعضهم يقول: إن المقصود بالمجالس مجالس القتال، {تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ}، في الصف، {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [سورة آل عمران:121].

فبعضهم يقول: هذا هو المراد، وابن جرير -رحمه الله- حمله على المعنيين، قال: لا يوجد دليل يخصص هذا أو هذا.

وبعضهم كالقرطبي حمله على ما هو أعم من ذلك كله، وهذا هو الأقرب -والله أعلم-، يعني العموم المطلق، ما يُخص بمجالس القتال أو مجالس النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيدخل فيه سائر المجالس، مجالس الناس يوم الجمعة، في الصلوات، في حضور مجالس العلم، مجالس القتال، في مجالسهم في مناسباتهم، لا يقيم الرجل أحداً من مجلسه فيجلس فيه، ولا يقام أيضاً أحدٌ من مجلسه، يعني قد يقال لبعض الناس، قد يقال لبعض الشباب، لبعض حدثاء السن: قم، فيجلس فيه رجل آخر، هذا له اعتبار، وابن عباس لربما جلس بجوار النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو صغير، كما تعرفون في الحديث في الشرب، واستئذان النبي -صلى الله عليه وسلم- منه، فقال: لا أؤثر بنصيبي منك، فلا يقام من مجلسه فإن ذلك له آثار، لكن يبقى الكلام في مسألة الصلاة خلف الإمام، إذا جاء هذا الصغير وجلس خلف الإمام، وأحياناً يبادر ويسرع والمؤذن يقيم ويجلس في مكانه، فمثل هذا يقال له: لو سمحت بالكلام اللطيف، لو سمحت اذهب لمكان آخر، سواء جلس في مكان المؤذن أو لم يجلس في مكان المؤذن، خلافاً لما قاله بعض أهل العلم من أنه لا يقال له ذلك، وأنه أحق به؛ لأنه سبق إلى هذا المكان، وإنما قصر أولائك الذين كان ينبغي أن يبكروا ويأتوا ((لِيَلِيني منكم أولو الأحلام والنهى))([11])، وأنه كان المفروض أنهم هم الذين يبكرون ويأتون في هذا المكان، فلما تخلفوا وتأخروا وجاء هذا، فمن سبق إلى مكان فهو أولى به، هذا من حيث النظر الفقهي لا إشكال فيه، لكن عندنا أثر صحيح عن أبيّ بن كعب -رضي الله تعالى عنه- أنه أخذ غلاماً وأبعده من مكانه خلف الإمام، قال: هي السنة، وهذا هو الصحيح، فهذا المكان ليس له، فيأتي الأطفال خلف الإمام، ويصلون خلفه، هذا ليس بموضع لهم، فيقال له: لو سمحت خذ لك مكاناً ثانياً، لكن لا تجرح مشاعره، فلربما ينفر من المسجد، فهؤلاء الصغار لهم مشاعر وليسوا يحملون أحاسيس ميتة، بل هم أكثر إرهافاً في الحس لربما من الكبار أو من كثير من الكبار.

{إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ}، وعليه، على العموم إذا قال لكم أي قائل: {تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا}، فليس لأحد أن يقيم أحداً من مكانه، ليجلس هو فيه، أو ليجلس غيره فيه، يعني قد يقول لولده أو يقول للسائق أو الخادم: قم، ويقول لآخر: يا أبا فلان تعال هنا، هذا ما يصح، يا أخي هذا الذي جالس هو أحق بهذا المكان، كيف يقال له: قم؟!، فهذا فيه نوع تحقير وإهانة له، {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا} إذاً هي تحمل كما قال القرطبي: على المعنى الأعم، أيّ مجالس، والتفسح والتوسع، {فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ}، الجزاء من جنس العمل، وقد مضى في بعض المناسبات الكلام على درس أظن سلامة الصدر، أو الأعمال القلبية، وأن ذلك يحمل أيضاً على الأعم من معانيه، يعني بعضهم يقول: يفسح الله لكم في الصدر، بعضهم يقول: يفسح الله لكم في الرزق، يفسح لكم في القبر، يفسح لكم في الجنة، في الآخرة، فالأقرب أنه يحمل على هذا كله؛ لأن حذف المقتضى يدل على العموم النسبي، فهنا ما قال: يفسح لكم في الصدر، ولا قال: يفسح لكم في القبر، وإنما حذف المقدر -المقتضى- فيحمل على العموم المناسب في هذا المقام، فيقال: {يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} في ذلك كله، انفساح في الصدر، وانفساح في الرزق، وانفساح في القبر، وانفساح أيضاً في الآخرة، فإذا كان الإنسان يتفسح للناس في المجلس فإن صدره يتسع لهم، وهذا من الإحسان المتعدي، والإحسان لا شك أنه من أعظم أسباب الانشراح، انشراح الصدر، وسعة الصدر، وهو من أسرع ما يؤثر فيه ذلك، الإحسان إلى الناس، الإحسان المتعدي، فإذا كان الإحسان مع الله فهذا هو العمود والركن الأساس في انفساح الصدر واللذة والسعادة والسرور والانشراح الذي لا يعرف صاحبه الغم والكآبة وضيق الصدر، لكن للإحسان إلى الناس أثر سريع في نفس اللحظة، {فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} في طرق الناس يفسح، لكن هنا الآية في المجالس، لكن أيضاً يؤخذ منها أنه أيضاً يفسح في الطريق؛ لأن المقصود واحد، وإذا لم يفعل الإنسان هذا ضاقت نفسه، وانقبضت وصارت في غاية الحرج، ضيقة، تنكمش، ويجد الإنسان من الضيق ما لا يخفى مما لا يعرفه كل أحد في نفسه، إذا كان الناس يبحثون عن أماكن في صلاة الجمعة، في مكان مزدحم في الحرم، إذا كان الإنسان لا يمكن أن يمكّن أحداً أن يأتي يصلي بجانبه ويضيق بهم ذرعاً، ويحمل هم ذلك اليوم من أجل أنه يبكر ثم يضيق بهؤلاء الذين يبحثون عن أماكن، فهو يرقبهم، وربما لا يسمع الخطبة، وإنما ينظر إلى هؤلاء أين يذهبون، لا يأتي أحد منهم بجواره، وإذا جاء أحد بجواره لم يتحرك، ولم يتفسح، وكأنه لا يسمع ولا يحس بهؤلاء، فتجد هذا نفسه تكون في غاية الضيق، لكن لو أنه يفسح للناس ويوسع لهم، سيجد أن نفسه في غاية السعة، ولو كان المكان الذي هو فيه محصور، وفي غاية الضيق، ولا يستطيع أن يحرك رجله، لكن صدره يتسع كثيراً، وأما صاحب النفس الضيقة فلو وُضع في مساحة شاسعة لوحده فإن نفسه في غاية الانقباض، فهذه أمور تُرى آثارها وتُعرف، ويجدها المرء من نفسه، {تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا}، وهذا أمر والأصل أن الأمر للوجوب، {يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ}.

وهنا يقول قتادة: نزلت في مجالس الذكر، لكن هي تشمل مجالس الذكر وغير مجالس الذكر من جميع المجالس.

وقد رُوي عن ابن عباس، والحسن البصري وغيرهما أنهم قالوا في قوله تعالى: {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} يعني: في مجالس الحرب.

وهذا لا يصح عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، لا يثبت هذا عنه -رضي الله عنه.

طالب: رُوي بصيغة التضعيف، قال: رُوي بصيغة التضعيف، وقد رُوي.

ومعنى قوله: {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا} أي: انهضوا للقتال.

وقال قتادة: {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا} أي: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا.

هنا قوله -تبارك وتعالى-: {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا}، الشيء الناشز يعني المرتفع، المرأة الناشز: هي المترفعة عن طاعة الزوج، ترفعت على طاعة الزوج، ترفعت على زوجها، يقال لها: ناشز، ويقال: هذا مكان محل ناشز، موضع ناشز، نشاز من الأرض أي مكان مرتفع.

{وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا} يعني: ارتفعوا، قوموا فقوموا، {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا}، انشزوا يعني ارتفعوا، وبعضهم يقول: إلى قتال عدوكم، يعني من يقول مثلاً: إن ذلك في مجالس القتال، {تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ}، {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا}، قوموا لقتال عدوكم، كذلك انشزوا إلى الصلاة، قوموا إلى الصلاة، أو مثلاً قوموا عن مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد كان -عليه الصلاة والسلام- يتأذى بذلك أي طول المكث عنده، والله -تبارك وتعالى- أخبر أن ذلك يؤذي النبي قال: {فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [سورة الأحزاب:53]، فالقيام من مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، القيام إلى الصلاة، القيام إلى الجهاد، إذا قيل لكم: قوموا لأي شأن، فتحمل على المعنى العام الذي تحتمله هذه الآية.

ابن جرير -رحمه الله- حملها على التفرق عن مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إذا قيل لكم: قوموا، يعني لا تطيلوا المكث عنده -صلى الله عليه وسلم- فتشقوا عليه.

فهذا المعنى داخل فيه، ولكن ظاهر الآية أعم من ذلك فتحمل على الجميع، والله تعالى أعلم.

قال هنا: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}، هذا له تعلق بأولها كما سبق {تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ}، فهؤلاء من أهل العلم هم أولى بالقرب من مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

وأيضاً امتثال هذه الأمور، ومراعاة هذه المعاني والآداب هذا من شأن أهل الفقه والعلم، كما قال الله -عز وجل- في سورة النور: {وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} [سورة النور:28]، لكن أصحاب الجفاء الذين لم تتروض نفوسهم بهذه الآداب يرون أن هذا من قبيل الإساءة إليهم، لكن أهل الفقه والعلم لا يرون في ذلك غضاضة، فهنا قال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}، والمقصود به أن درجات أهل الإيمان متفاوتة، فأهل العلم في مرتبة أعلى، كما رفعهم الله -عز وجل- من سائر المؤمنين، ففاوت الله بين الناس هذا التفاوت، ولذلك هذا الأمر يجب مراعاته وحفظه وحفظ مكانة أهل العلم من أجل أن الناس يرجعون إليهم، وينتفعون بهم، وإلا فإلى مَن يرجع الناس؟، وهذه الوسائل الآن الجديدة التي يتواصل بها الناس يسمونها وسائط ووسائل التواصل الاجتماعي تهدم ذلك كله، فتجد أجهل الجاهلين يجترئ على أهل العلم ويرميهم بما يحلو له، ويرد عليهم، ويعقب، ويعلق، وهو لا يحسن أن يركب جملة واحدة، كلام ركيك، وإملاء لا يحسن كتابة الكلام، وجهل غليظ كثيف، إذا رأيته تقول: لا إله إلا الله، ما أحلم الله، ترى طبقات الجهل الغليظ في الفهم والركاكة في التركيب، والأخطاء الفادحة في الإملاء وفي الإعراب، ومع ذلك يكتب، تقول: فالإنسان لا يبصر عيوبه، أفلا ينظر إلى المرآة؟!، ما يبصر هذه؟!، هو لا يرى عيوبه، فلازم يعقب ولازم يتكلم، ولازم يعلق، لا يوجد كبير، يعقب على كلام أهل العلم، ويستدرك عليهم، وينتقدهم الانتقاد اللاذع الذي يكسر العظام، فإذا حصل هذا -وهذه الأمور الآن تتوجه بقوة إلى هذا أن لا يبقى اليوم كبير للأسف- فلا حرمة لأحد أياً كان، ومن ثم فالنتائج كل واحد يقول: أنا عندي ما يكفيني من البصر والعقل والفهم والعلم، فلست بحاجة إلى أحد، ثم بعد ذلك يبقى الناس في حال من العماية، يقودهم فيها أهل الضلالة، -نسأل الله العافية-، لا يرجعون لأهل العلم ولا ينتفعون لا في فتوى ولا حكم ولا رأي ولا مشورة، فيقودهم كما يقال: الشارع، وإذا قادهم الشارع معناها أنه يقودهم الجهلة، رعاع الناس، ومن كان أطول لساناً فهو مقدم عندهم، ولو كان يقودهم إلى الردى، -نسأل الله العافية-، وهذا أمر مشاهد اليوم، تشاهده في مشارق الأرض ومغاربها، كان الذين يتأثرون بهذه الطريقة نفر ممن يذهب إلى بلاد الغرب، ويرجعون وقد تشبعوا بأنماط الحياة هناك، وطرق التفكير، فيشعر أنه ليس بحاجة إلى وصاية كما يزعم، وهو من حقه أن يبدي رأيه في كل شيء، وأن يناقش في كل شيء، وأن يعترض فهو والعالم سواء، يناقش ويداخل ويعترض ويبدي رأيه، وليس عندنا كهنوت كما يقول، وأما الآن فتغيرت الأحوال كثيراً، وأصبحت هذه الوسائل الآن تُجرِّئ الناس وتدفعهم بقوة، وأنا أرى التغير الكبير ليس في عبر السنوات، بل أراه اليوم عبر الساعات وليس الأيام، الأمور تتجه بقوة الآن لهذا، فلا يبقى عند الناس أحد عنده حرمة، فلا يوجد أحد يوثق برأيه، ولا يرجع إليه، وتقودهم أهواؤهم في كل شيء، وهذا أمر يعني لا يمكن أن يكون التعامل معه من ِقِبل فرد أو أفراد أو مجموعة من الناس ليعالجوا مثل هذا الأمر المستفحل الذي هو أشبه بنار في هشيم، لكن يحتاج إلى جهود أكبر من هذا تتعامل مع مثل هذه الأحوال بطرق تحتوي فيها مثل هؤلاء الناس، والعلماء لا يمكن أن يتجاوزوا ما يدينون الله -عز وجل- به، ويتجاوزوا القناعات التي يلقون الله فيها من أجل أن يرضوا الشارع أو الجمهور أو هؤلاء الناس الذين ينقمون عليهم وعلى كل شيء، لا يمكن للإنسان أن يتجاوز القناعات التي عنده من أجل أن يرضي هؤلاء أو أن يطرب له هؤلاء، ويهتفون له، ثم بعد ذلك يكون عنده ما شاء الله من المتابعين من الملايين، هذا لا يمكن، بل بعض السلف قال عمن يحبه جميع جيرانه قال: هذا رجل سوء؛ لأنه لا يأمرهم بالمعروف، ولا ينهاهم عن المنكر، ولا يأخذ على يد السفهاء، هو يرضي الجميع، وطيب مع الجميع، ويجامل الجميع، ويجاري الجميع، ولا يغضب منه أحد إطلاقاً لا الفاجر ولا البر، ما يمكن هذا، فهؤلاء لربما يحصل القبول عندهم لمن كان تابعاً لهم، وهذا خطأ أن تُعكس القضية، يكون العالم تابعاً للعامة، وإنما العكس هو الصحيح، فمن الخطأ -الخطأ يعتبر خطأ استراتيجياً يعني كما يعبر أهل العصر- أن يتحول العلماء من قناعاتهم إلى طالبين لرضا هؤلاء الجمهور، هذا خطأ، لكن تحتاج إلى معالجة صحيحة بما يدينون الله -عز وجل- به، ففي القيام بالحق ما يحصل به السداد والصلاح لأحوال المجتمع والأمة برمتها، لكن إن حصل التقصير فقد يكون ذلك أحد الأسباب المهمة في تلاعب الشيطان بهؤلاء الناس، فيجد أبواباً مشرعة للوقيعة فيهم، والله المستعان.

وقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي: لا تعتقدوا أنه إذا فَسَح أحد منكم لأخيه إذا أقبل، أو إذا أُمر بالخروج فخرج أن يكون ذلك نقصاً في حقه، بل هو رفعة ورتبة عند الله، والله تعالى لا يضيع ذلك له، بل يجزيه بها في الدنيا والآخرة، فإن من تواضع لأمر الله رَفَع الله قدره، ونَشَر ذكره؛ ولهذا قال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي: خبير بمن يستحق ذلك وبمن لا يستحقه.

وروى الإمام أحمد عن أبي الطفيل عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على مكة، فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزي، قال: وما ابن أبزي؟ فقال: رجل من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، قاضٍ، فقال عمر -رضي الله عنه-: أما إن نبيكم -صلى الله عليه وسلم- قد قال: ((إن الله يرفع بهذا الكتاب قومًا ويضع به آخرين))([12])، وهكذا رواه مسلم.

 


 

[1] - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (10/3343)، برقم (18843).

[2] - رواه البخاري، كتاب الدعوات، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((يستجاب لنا في اليهود، ولا يستجاب لهم فينا))، برقم (6401)، وإسحاق بن راهويه في مسنده، برقم (1685).

[3] - جامع البيان، للطبري (23/240)، والترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ومن سورة المجادلة، برقم (3301)، وأحمد في المسند، برقم (12427)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".

[4] - رواه البخاري، كتاب الاستئذان، باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة والمناجاة، برقم (6290)، ومسلم، كتاب السلام، باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه، برقم (2184)، وأحمد في المسند، برقم (4407)، وقال محققوه:    "إسناده صحيح على شرط الشيخين".

[5] - رواه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف، برقم (19806)، وأحمد في المسند، برقم (6338)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".

[6] - رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل بناء المساجد والحث عليها، برقم (533).

[7] - رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، برقم (2699).

[8] - رواه البخاري، كتاب الاستئذان، باب {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ، فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشِزُوا فَانْشِزُوا} الآيَةَ، برقم (6270)، ومسلم، كتاب السلام، باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه، برقم (2177)، وأحمد في المسند، برقم (4659).

[9] - رواه أحمد في المسند، برقم (8462)، وقال محققوه: "إسناده حسن، يونس -وهو ابن محمد المؤدب- ثقة من رجال الشيخين، ومَن فوقه أحاديثهم من قبيل الحسن، فليح: هو ابن سليمان".

[10] - رواه أحمد في المسند، برقم (10266)، وقال محققوه: "صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن، سريج -وهو ابن النعمان الجوهري- ثقة من رجال البخاري، ومَن فوقه أحاديثهم من قَبيلِ الحسن. فليح: هو ابن سليمان"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (228).

[11] - رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها والازدحام على الصف الأول والمسابقة إليها وتقديم أولي الفضل وتقريبهم من الإمام، برقم (432).

[12] - رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه وفضل من تعلم حكمة من فقه أو غيره فعمل بها و علمها، برقم (817).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
twitterRSS
trees
about