‏‏ (4) من قوله تعالى " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ... " آية 28‏
عدد الزوار : 2805
تاريخ الإضافة : 14 محرّم 1433
MP3 : 24070 kb
PDF : 159 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة سبأ من الآية (28) إلى الآية (42)

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.

يقول الإمام الحافظ ابن كثير في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ} [سورة سبأ:28-30].

يقول تعالى لعبده ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ}: أي: إلا إلى جميع الخلق من المكلفين، كقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [سورة الأعراف:158]، {تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [سورة الفرقان:1]، {بَشِيرًا وَنَذِيرًا} أي تبشر مَنْ أطاعك بالجنة، وتنذر مَنْ عصاك بالنار.

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}، كقوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [سورة يوسف:103]، {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [سورة الأنعام:116].

قال محمد بن كعب في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ} يعني: إلى الناس عامة.

وقال قتادة في هذه الآية: أرسل الله محمدا -صلى الله عليه وسلم- إلى العرب والعجم، فأكرمُهم على الله أطوعُهم لله -عز وجل.

و في الصحيحين رَفْعهُ عن جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة))([1]).

وفي الصحيح أيضا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((بعثت إلى الأسود والأحمر))([2])، قال مجاهد، يعني: الجن والإنس، وقال غيره: يعني: العرب والعجم. والكل صحيح.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} فـ"كافة" فسره بعضهم بكونه -صلى الله عليه وسلم- جامعاً، فسروا هذه اللفظة "كافة" يعني إلا جامعاً للناس ولكنه بعيد، وبعضهم يقول: {إِلا كَافَّةً} أن ذلك من الكف أي مانعاً لهم من الكفر، كما يقول أبو حيان في البحر المحيط مانعاً كافاً، تقول: كفه عن كذا أي حجزه ومنعه عنه، مانعاً لهم من الكفر، وهؤلاء نظروا إلى هذا المعنى في اللفظة وهو معنى صحيح لهذه اللفظة من حيث هي، {كَافَّةً لِلنَّاسِ} ولكن السياق قد يفهم منه غير هذا المعنى، وبعضهم يقول: هو صفة لمصدر محذوف "وما أرسلناك إلا رسالة" هذا مصدر "رسالة"، رسالة كافة للناس، وبعضهم يقول: إنه حال يعني أن كافة حال من الناس تقدمت عليه، يعني {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً} والمقصود عموم رسالته -صلى الله عليه وسلم- أن رسالته عامة لجميع الخلق، وهذا هو المعنى الأقرب -والله تعالى أعلم- ويدل لهذا هذه النصوص {إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}، وهكذا في قوله -صلى الله عليه وسلم -وكان في الخصائص التي أعطيها -عليه الصلاة والسلام-: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"، وهذا هو المشهور الذي عليه عامة أهل العلم يحتجون بهذه الآية {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ} على عموم رسالته    -عليه الصلاة والسلام-، قال {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} لا يعلمون ما عند الله لهم من النفع مثلاً في إرسال الرسل، هكذا ذكر بعض المفسرين، والله تعالى أعلم.

ثم قال تعالى مخبرا عن الكفار في استبعادهم قيام الساعة: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، وهذه الآية، كما قال تعالى: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ} الآية [سورة الشورى:18].

ثم قال: {قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ} أي: لكم ميعاد مؤجل معدود محرر، لا يزاد ولا ينقص، فإذا جاء فلا يؤخر ساعة ولا يقدم، كما قال تعالى: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ} [سورة نوح:4]، وقال: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [سورة هود:104-105].

قوله -تبارك وتعالى-: {قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ} هذا اليوم: الحافظ ابن كثير -رحمه الله- قال: أي لكم ميعاد مؤجل معدود محرر لا يزاد ولا ينقص فإذا جاء لا يؤخر ساعة ولا يقدم {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ} وظاهره من ذكره للآية يعني ظاهر كلام ابن كثير {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ} أن المقصود به يوم البعث {لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ} أنه يوم البعث والنشور، وبعضهم يقول: إن هذا الميعاد ميعادُ يومٍ هو آجالهم، الأجل إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر، وبعضهم يقول: هذا المقصود به يوم بدر حيث قُتل منهم من قُتل وأُسر من أُسر، وهذا بعيد، -والله تعالى أعلم-، والميعاد: "لكم ميعاد يوم" يجوز أن يكون مصدراً بمعنى الوعد {لَكُمْ مِيعَادُ} أي وعد يوم أو اسم زمان، والأقرب -والله تعالى أعلم- أن هذا يكون في يوم البعث والنشور.

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة سبأ:31-33].

يخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وعنادهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن وما أخبر به من أمر المعاد؛ ولهذا قال: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}، قال الله تعالى متهدداً لهم ومتوعدا، ومخبرا عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجّهم: {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} منهم وهم الأتباع {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} وهم قادتهم وسادتهم: {لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} أي: لولا أنتم تصدونا لكنا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاءونا به، فقال لهم القادة والسادة وهم الذين استكبروا: {أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ} أي: نحن ما فعلنا بكم أكثر من أنَّا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل، لشهوتكم واختياركم لذلك.

قوله -تبارك وتعالى- هنا: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} من أهل العلم من يقول: إنهم قصدوا بهذا {وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} يعني من الكتب التي تقدمت القرآن، وبعضهم يقول: {وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} ما سيأتي بعده مما أخبر عنه من القيامة والبعث والنشور والجزاء والحساب وما إلى ذلك، يعني الدار الآخرة، وقوله -تبارك وتعالى-: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ} [سورة سبأ:31] هنا الجواب غير مذكور {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ} ماذا يحصل بعد ذلك إذا رأيت هذا؟ يعني لرأيت أمراً هائلاً عظيماً، والجواب يحذف في مثل هذه المقامات لتهويل المقام وتفظيعه وتشنيعه ليذهب الذهن فيه كل مذهب، لرأيت أمراً كما يقول الله -عز وجل-: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ} [سورة سبأ:51] يعني لرأيت أمراً شديداً، أو لرأيت أمراً هائلاً، أو لرأيت أمراً مفزعاً، وقوله -تبارك وتعالى-: {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ} -نسأل الله العافية- يعني يتراجعون الكلام فيما بينهم باللوم، فهؤلاء يلقون الملامة على هؤلاء، أي الأتباع والمتبوعون، هؤلاء يلومون هؤلاء، وهؤلاء يلومون هؤلاء، وليس ذلك بنافعهم وهذا كله وغيره -كما مضت الإشارة إلى ذلك في مناسبات- يدل على أن النار فيها هؤلاء وهؤلاء، وأن الأتباع غير معذورين عند الله -تبارك وتعالى-، وذلك أن من الناس من يتوهم أن هؤلاء الأتباع من المقلدين أنهم جهلة، وأنهم معذورون، والواقع ليس كذلك، فالقادة والأتباع كلهم في النار، وإن تفاوتوا في العذاب.

ولهذا قالوا: {بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار} أي: بل كنتم تمكرون بنا ليلا ونهارا، وتَغُرّونا وتُمَنّونا، وتخبرونا أنا على هدى وأنا على شيء، فإذا جميع ذلك باطلٌ وكَذبٌ ومَيْن.

قال قتادة، وابن زيد: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} يقول: بل مكركم بالليل والنهار، وكذا قال مالك، عن زيد بن أسلم: مكركم بالليل والنهار.

{بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} يعني على قول قتادة وابن زيد مكركم بالليل والنهار يعني هو الذي أضلنا، وبعضهم يقول: مكركم بنا الليل والنهار، والمعنى متقارب {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا} أي مكركم بنا الليل والنهار، يعني الواقع في الليل والنهار، يعني أنه مكرٌ دائمٌ مستمر لا ينقطع ليلاً ونهاراً من أجل إضلال الناس، وأصل المكر في كلام العرب هو الخديعة والحيلة، ويكون ذلك بطُرق خفية، يعني أنهم يعملون على ما من شأنه إضلال هؤلاء الناس وإزاغتهم عن الصراط المستقيم بكل سبيل مستطاع، يمكرون بهم يضلونهم يزينون لهم الباطل يصدونهم عن الحق، يشوهونه في نظرهم وما إلى ذلك من الأعمال القبيحة التي آلت بهؤلاء إلى الضلال والانحراف والبعد عن الصراط المستقيم.

{إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا} أي نظراء وآلهة معه، وتقيموا لنا شُبَهًا وأشياءَ من المحال تضلونا بها {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} أي: الجميع من السادة والأتباع، كُلٌّ نَدم على ما سَلَف منه.

{وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا}: وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم، {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: إنما نجازيكم بأعمالكم، كُلٌّ بحسبه، للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع بحسبهم {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ} [سورة الأعراف:38].

روى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن جهنم لمّا سيق إليها أهلها تَلَقَّاهم لهبُها، ثم لَفَحَتْهُم لفحةً فلم يبق لحم إلا سقط على العرقوب))([3]).

قوله -تبارك وتعالى-: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} ظاهر كلام ابن كثير أن الجميع ندم على ما سلف منه، يعني أنه أضمر الندامة في نفسه بعدما أدرك ما هو عليه وحقيقة ما جاءت به الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، وكشفت الغيوب عن ضلالهم وسوء مصيرهم {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} أضمروا الندامة، وبعضهم يقول: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} أي أخفوها عن غيرهم، وبعضهم يقول: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} أسرّ كل فريق الندامة على الآخر -نسأل الله العافية-، يعني أدرك الجميع أنهم على ضلال فندم السادة وأسروا ذلك عن الأتباع، وندم الأتباع وأسروا ذلك عن السادة {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} فكل فريق أسرّ ذلك عن الآخر، وبعضهم يقول: إن أسرّ من الأضداد تأتي بمعنى أظهر، ويقول: إن قوله: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} أي أظهروا الندامة، هذا وإن كان يصح في اللغة إلا أنه بعيد؛ لأن المتبادر من ذلك هو إضمارها وإخفاؤها {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أنه لا حاجة للتدقيق في المعنى من جهة أنهم أسروها عن السادة أو السادة أسروا عن الأتباع إلى آخره، والمقصود أنهم لما عاينوا الحقائق وتكشفت لهم الأمور أضمروا الندامة في نفوسهم، أضمروا الندامة في نفوسهم عمن؟ هل أضمروها عن السادة أو العكس؟ كل فريق عن الآخر أو أضمروها عن غيرهم لئلا يشمت بهم مثلاً أو غير ذلك، من وقع في مغبة فعله وانكشف له الأمر عما لا يسره فإنه يندم، ويظهر ذلك الندم ويبديه وقد يبتلعه ويخفيه، فهؤلاء أخبر الله عنهم {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} يعني وقع الألم والندم في نفوسهم ولم يعلنوا بذلك، يعني هذه تكون نهاية للإنسان، إذا كان في حال من الإحباط، والوقوع في أمر لا مخرج منه ونحو ذلك، فيتسلل إلى نفسه الندم، وهذا -والله تعالى أعلم- هو المتبادر.

{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ * وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سورة سبأ:34-39].

يقول تعالى مسليا لنبيه، وآمرا له بالتأسي بمن قبله من الرسل، ومخبره بأنه ما بعث نبيا في قرية إلا كذبه مترفوها، واتبعه ضعفاؤهم، كما قال قوم نوح: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ} [سورة الشعراء:111]، {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} [سورة هود:27]، وقال الكبراء من قوم صالح: {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [سورة الأعراف:75-76]، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [سورة الأنعام:53]؟، وقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا} [سورة الأنعام:122] وقال: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ} [سورة الإسراء:16]، وقال هاهنا: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ} أي: نبي أو رسول {إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا}، وهم أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة.

قال قتادة: هم جبابرتهم وقادتهم ورءوسهم في الشر، {إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونََ} أي: لا نؤمن به ولا نتبعه.

هنا قوله: {إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا} قول ابن كثير -رحمه الله-: وهم أولي النعمة والحشمة والثروة والرياسة، وقول قتادة: هم جبابرتهم وقادتهم ورءوسهم في الشر، فالحافظ ابن كثير في عبارته جمع كلام السلف في تفسير هذه المادة أي المترفون، منهم من يقول: هم الكبراء والقادة أو الجبابرة، وهذا يرجع إلى المعنى نفسه ، ومنهم من يقول: هم أولى النعمة، وأرباب الترف والأغنياء وما إلى ذلك، هذا كله لا إشكال فيه، فإن لفظ المترفين يدل على التنعم الكثير والتوسع في ذلك، وهذا إنما يكون عادة لدى الكبراء والجبابرة والأغنياء وما إلى ذلك، بخلاف الضعفاء والفقراء، وفي سؤال هرقل لأبي سفيان كان من جملة تلك السؤالات: هل يتبعه ضعفاء الناس أو كبراؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فذكر له فيما ذكر من أجوبته بعد ذلك أن هؤلاء هم أتباع الرسل، وهنا جاء به بأسلوب الحصر بأقوى صيغة "ما وإلا"، {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} يعني: أنها عادة مطّردة لكل زمان، وأتباع الرسل -عليهم الصلاة والسلام- لهم نصيب من هذا، فالذين يواجهونهم عادة ولا يقبلون دعوتهم في الغالب هم الكبراء والمترفون؛ ولذلك تجد الدعوة تنتشر في أوساط الضعفاء غالباً، وكلما كانت البيئة فقيرة كانت الدعوة فيها أكثر، وكلما ازداد فيها الترف وطمع الناس فيه وأوغلوا كلما قل الإقبال والاستجابة، وأعداء الله -عز وجل- من المنافقين ومن وراءهم من الكافرين يعزون هذا إلى أمورٍ كما قال الأولون: إن الذين اتبعوا الرسل إنما جاءوا من أجل شيء يُعْطَونه، فكان الرسل -عليهم الصلاة والسلام- يقولون لهم: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الشعراء:114] بطارد الذين آمنوا، ثم يذكرون أن جزاءهم وحسابهم إلى الله وحده، وأنهم ليسوا بصدد محاسبتهم ولم يُطلب منهم ذلك، "إنْ حسابهم إلا على ربي" فكانوا يتهمونهم أنهم إنما اتبعوهم من أجل طُعمة يطعمونها عندهم أو عطية يعطونها أو نحو ذلك، وهكذا الذين يحللون كثرة اتباع أو إقبال الناس في الأحياء أو البلاد الفقيرة على الدعوة وعلى طاعة الله وطاعة رسوله أن ذلك بسبب أوضاعهم الاجتماعية وبسبب فقرهم وأنه ينبغي أنه يكون هناك شيء من إصلاح أوضاع هؤلاء الناس من أجل أن لا يكون ضحايا -في نظرهم- لهؤلاء المصلحين، فهذه سنة الله -عز وجل- الجارية في الخلق؛ ولهذا تجد من يستغرب حينما يعرف أن أحداً من الكبراء اهتدى أو يتسامع الناس أنه طرأت عليه توبة أو استقامة أو شيء من هذا القبيل، ولربما يكون الأمر على خلاف ما قيل، وهذا الاستغراب محله وداعيه أن ذلك نادر في الحصول وإن كان يقع لكنه نادر أو قليل، والله المستعان.

وقوله تعالى إخبارا عن المترفين المكذبين: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} أي: افتخروا بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا، ثم يعذبهم في الآخرة.

مقاييسهم فاسدة، إنما مقاييسهم غير صحيحة، يعني كما يقول فرعون عن موسى -صلى الله عليه وسلم- ليبين فضله على موسى -عليه الصلاة والسلام- {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} [سورة الزخرف:52-53]، وهكذا حينما يقول لهم: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [سورة الزخرف:51] يعني يرى هذا هو المعيار لأحقية ما يقول وبطلان ما جاء به موسى -صلى الله عليه وسلم.

وهيهات لهم ذلك، قال الله: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ} [سورة المؤمنون: 55-56]، وقال: {فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [سورة التوبة: 55].

مثل هذه الآيات هي كثير، وجواب ما يثيره بعض العامة وأشباه العامة كثيراً بشأن ما أعطيه الكفار في زماننا هذا من ألوان النعيم والملاذ حتى الأمطار يقولون: نتحرى نزول المطر نادراً في العام، والأمطار تنزل عليهم في طول العام، بلادنا مجدبة نفرح إذا ظهر فيها شيء من النبات قليل في وقت الربيع وبلادهم معشبة خضراء جنات وأنهار فالجواب هو هذا: {فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} ليس بعد هذا شيء.

وقال تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} [سورة المدثر:11-17].

وقد أخبر الله عن صاحب تيْنك الجنتين: أنه كان ذا مال وولد وثمر، ثم لم يُغن عنه شيئا، بل سُلب ذلك كله في الدنيا قبل الآخرة؛ ولهذا قال تعالى هاهنا: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} أي: يعطي المال لمن يحب ومَنْ لا يحب، فيفقر مَنْ يشاء ويغني مَنْ يشاء، وله الحكمة التامة البالغة، والحجة الدامغة القاطعة {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونََ}.

ثم قال: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} أي: ليست هذه دليلا على محبتنا لكم، ولا اعتنائنا بكم.

روى الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))([4])، ورواه مسلم وابن ماجه.

ولهذا قال: {إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} أي: إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمانُ والعمل الصالح، {فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا} أي: تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبعمائة ضعف {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} أي: في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأس وخوف وأذى، ومن كل شر يُحْذَر منه.

قوله -تبارك وتعالى-: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} يعني قُرْبى، قال: ليست دليلاً على محبتنا لكم ولا اعتنائنا بكم، قوله: ولهذا قال: {إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} الاستثناء هنا الأقرب -والله تعالى أعلم- أنه منقطع بمعنى لكن {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} لكن {مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ} استثناء منقطع هذا هو الأقرب -والله تعالى أعلم-، يقول ابن كثير: أي: إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمانُ والعمل الصالح، وذلك باعتبار أن الإيمان والعمل الصالح لا تعلق له بما قبله من جهة الأموال والأولاد، فإذا كان المستثنى ليس من جنس المستثنى منه فهذا هو الاستثناء المنقطع.

قال الإمام الحافظ ابن القيم -رحمه الله-: " قوله تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} فمن آمن ليس داخلا في الأموال والأولاد"([5]).

فهو يقرر أنه استثناء منقطع، ثم يلفت النظر إلى معنى قد يشكل وهو أن كثيراً من التراكيب حينما ينقر فيها على طريقة النحات مثلاً في الأعاريب أن ذلك يقلب المعنى إلى إشكال وينغلق، وإنما المخرج من ذلك أن يلاحظ طريقة القرآن، وأن يلاحظ معهوده في الخطاب، وذلك بالالتفات إلى المعنى دون التنقير في اللفظ على طريقة بعض النحاة.

قال -رحمه الله-: "ولكنه من الكلام المحمول على المعنى، لأنه تعالى أخبر أن أموال العباد وأولادهم لا تقربهم إليه، وذلك يتضمن أن أربابها ليسوا هم من المقربين إليه فاستثنى منهم من آمن وعمل صالحاً"([6]).

هناك ذكر الأموال والأولاد قال: {إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} ابن القيم يقول: من جهة المعنى هناك ملازمة فالأموال والأولاد ملازمة لأصحابها أليس كذلك؟ ولهذا قال: إن أصحابها لا يكونون من أهل القربى والزلفى عند الله -تبارك وتعالى-، فأصحاب هذه الأموال والأولاد إذا كانت الأموال والأولاد لا تقرب يساوي أن أصحابها ليسوا من المقربين {إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} والآن راعى المعنى {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ} ولم يقل: إلا ما بذل منها في سبيل الله، وإنما قال: {إِلا مَنْ آمَنَ} فالأموال والأولاد مضافة إليهم، فهو يقول ليس المعيار ليس المقياس هو وجود الأموال والأولاد فإن أصحابها لا يتأهلون بمجرد كونهم يحوزون الأموال الطائلة ولهم من الأولاد الكثير ليس ذلك بمؤهل لهم إلى مرتبة القرب عند الله -عز وجل- لا يقربهم المال والولد، {إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} بمعنى أنه يريد أن يحل الإشكال الذي قد يتبادر إلى الذهن، ذكر الأموال والأولاد {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ}، {إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} من آمن من أصحاب الأموال والأولاد، جاء هذا من جهة المعنى، فإذا كانت الأموال والأولاد لا تقرب يساوي أن أصحاب الأموال والأولاد ليسوا بأهل الزلفى والقربى من الله -تبارك وتعالى- لحوزهم هذه الأموال وحصول هؤلاء الأولاد لهم، هذا المعنى، ولا أقصد أن الاستثناء متصل؛ لأنه ما ذُكر هنا المستثنى منه الذي هو أصحاب الأموال والأولاد، لو ذُكر أصحاب الأموال والأولاد لصار الاستثناء متصلاً، وبعضهم يقول: هو متصل، لكن الأقرب أنه منقطع، لمّا لم يذكر ما قبله صار الاستثناء منقطعاً، لكن يراعى فيه المعنى المذكور {إِلا مَنْ آمَنَ}، جاءت {إِلا مَنْ آمَنَ} بعد ذكر الأموال والأولاد ولم يقل: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا ما بذل منها في سبيل الله} وهنا لا إشكال، لكن قال: {إِلا مَنْ آمَنَ} وهم أصحاب الأموال والأولاد يعني أنها لا تؤهلكم للقرب {إِلا مَنْ آمَنَ} لكن من آمن.

وقال -رحمه الله-: "فاستثنى منهم من آمن وعمل صالحا، أي لا قريب عنده {إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} سواء كان له مال وولد أو لم يكن له، والانقطاع فيه أظهر، فإنه تعالى نفى قرب الناس إليه بأموالهم وأولادهم، وأثبت قربهم عنده بإيمانهم وعملهم الصالح، فتقدير لكن ههنا أظهر من تقدير الاتصال في هذا الاستثناء.

وإذا تأملت الكلام العربي رأيت كثيراً منه واردا على المعنى لوضوحه، فلو ورد على قياس اللفظ مع وضوح المعنى لكان عيًّا"([7]).

وكثير من التنقير يورث إشكالاً فيستقلق المعنى، يعني أحياناً قد تفهم الآية وليس عندك فيها إشكال فإذا نقّرت في اللفظ استحكم الإشكال وهذا كثير، فهذا من أنفع الأشياء، ما ذكره الحافظ ابن القيم -رحمه الله.

وقال -رحمه الله-: "وبهذه القاعدة تزول عنك إشكالات كثيرة، ولا تحتاج إلى تكلف التقديرات التي إنما عدل عنها المتكلم لما في ذكرها من التكلف، فقدر المتكلفون لنطقه ما فر منه وألزموه بما رغب عنه وهذا كثير في تقديرات النحاة التي لا تخطر ببال المتكلم أصلاً ولا تقع في تراكيب الفصحاء ولو سمعوها لاستهجنوها، وسنعقد -إن شاء الله تعالى- فصلاً مستقلا"([8]).

قوله: {فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ} كما ذكر الحافظ ابن كثير الحسنة بعشرة أمثالها، {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} في قراءة حمزة "الغرفة"، والمعنى يرجع إلى شيء واحد، وذلك أن الغرفة اسم جنس مفرد وهو في معنى العموم كقوله -تبارك وتعالى-: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء} [سورة النور:31]، يعني أو الأطفال سواء كان مضافاً أو من غير إضافة يعني مضافاً إلى منكر أو مضافاً إلى معرفة كقوله: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} [سورة النور:61]، يعني أو أصدقائكم، هنا والمقصود بالغرفة يقول: منازل الجنة العالية؛ لأن العرب تطلق الغرفة على المكان المرتفع في الدور يقال لها: غرفة، يقال للغرفة السفلية كما نقول اليوم: الحجرة السفلية، ما يقال لها: غرفة، والناس صاروا يتوسعون في هذا الاستعمال والأصل أنها تكون في الأعلى {أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا} [سورة الفرقان:75]، الغرفة هنا بمعنى {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}.

وروى ابن أبي حاتم عن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن في الجنة لَغرفا ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها))، فقال أعرابي: لمن هي؟ قال: ((لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام))([9]).

{وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي: يسعون في الصد عن سبيل الله، واتباع الرسل والتصديق بآياته، {أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} أي: جميعهم مَجْزيون بأعمالهم فيها بحسبهم.

في قوله: {يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} طالبين إعجازاً مثلاً أنهم يفوتون من الله -عز وجل- فلا يجازيهم ولا يعاقبهم ولا يأخذهم، هذا معنى، والمعنى الآخر الذي ذكرناه {مُعَاجِزِينَ} يعني طالبين إبطال ما جاء به الرسل عن الله -تبارك وتعالى.

وقوله: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} أي: بحسب مَا لَه في ذلك من الحكمة، يبسط على هذا من المال كثيرا، ويضيق على هذا ويقتر على هذا رزقه جدًا، وله في ذلك من الحكمة ما لا يدركها غيره.

يعني ليس هذا بدليل على التفضيل والمحبة إطلاقاً، وإنما ذلك وفق حكمته -سبحانه وتعالى- لأهل الإيمان ولغيرهم فالعطاء الدنيوي لا يدل على منزلة العبد عند ربه -تبارك وتعالى- كما ادعى أولائك المبطلون.

كما قال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا} [سورة الإسراء:21] أي: كما هم متفاوتون في الدنيا: هذا فقير مدقع، وهذا غني مُوَسَّع عليه، فكذلك هم في الآخرة: هذا في الغُرفات في أعلى الدرجات، وهذا في الغَمرَات في أسفل الدركات، وأطيب الناس في الدنيا كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((قد أفلح مَنْ أسلم ورُزق كَفَافا، وقَنَّعه الله بما آتاه))([10]) رواه مسلم.

وقوله: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} أي: مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به وأباحه لكم فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب.

هذا أحسن من قول من قال: فهو يخلفه أي في الآخرة، ومنهم من خصه في الآخرة بالجزاء والثواب، وأقرب من هذا -والله أعلم- ما ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- من أن ذلك يشمل الدنيا والآخرة ((ما نقص مال من صدقة))([11]).

كما ثبت في الحديث: يقول الله تعالى: ((أَنْفِقْ أُنْفِقْ عليك))([12])، وفي الحديث: أن ملكين يَصيحان كل يوم، يقول أحدهما: ((اللهم أعط مُمْسِكا تَلَفًا))، ويقول الآخر: ((اللهم أعط منفقا خَلَفًا))([13])، وقال رسول الله       -صلى الله عليه وسلم-: ((أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا))([14]).

هنا في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((اللهم أعط ممسكاً تلفاً)) وإن لم يكن العادة في هذا المجلس أن نخرج عن المقصود من توجيه كلام المفسرين لكن لا بأس أني رأيت لبعض الجمعيات الخيرية دعايات صدقة يومية بريال، تصدق بريال يومياً ويذكرون الحديث: ((اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً)) بمعنى أن الإنسان يحتاج كل يوم أن يتصدق بصدقة، هكذا حملوه أو فهموا، وكثير من الناس يسأل عن هذا يقول: عندي حصالة في البيت كل يوم أضع فيها مبلغاً من المال هل تعتبر صدقة خرجت من يدي أو أنها لا زالت عندي؟ وبعضهم يسأل يقول: لو أعطيتُ ما أريد أن أتصدق به خلال الشهر دفعة واحدة بدلاً من أن أخرج كل يوم هل هذه تعتبر صدقة عن كل يوم؟ فمنشأ السؤال هو فهم الحديث، قول الملكين في كل صباح ((اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً)) لا يعني أن كل إنسان يتصدق كل يوم صدقة وإلا يقع عليه هذا الدعاء كما فهموا، فيقول: أُخرجُ كل يوم ريالاً على أساس أنه يخرج من العهدة فلا يقع عليه مثل هذا الدعاء، ليس هذا هو المراد، وإنما المقصود ((اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً)) إن كان هذا وصفه وهذا شأنه فيدخل فيه النفقات الواجبة في حق الله مثل الزكاة وهي أيضاً لها شائبة في حق المخلوق، وكذلك أيضاً النفقات على الأولاد، والنفقات على النفس وكذلك أيضاً الصدقات ولا يلزم ذلك في كل يوم، لكن من كان بهذه المثابة فهم يدعون له أن يُعطَى الخلف، وأن من كان ممسكاً يعني عن النفقات الواجبة فضلاً عن كون هذا الإنسان من شدة شحه لا يخرج شيئاً من الصدقة فهذا ممسك، يعني من شأنه أنه كذلك، وأنه صاحب تقتير أو امتناع من الصدقة والمعروف والإحسان هذا هو المراد وليس المقصود أن يتصدق في كل يوم وإلا وقع عليه ((وأعط ممسكاً تلفاً)) ليس هذا معنى الحديث، ومن ثَمّ فإن مثل هذه الدعايات: كل يوم يتصدق بصدقة ويوضع الحديث معها أن هذا وضع للحديث في غير موضعه، وحينما يفهم هذا لابد أن يتصدق، لكن لو واحد كل يوم يتصدق بريال ويترك الزكاة الواجبة، ويترك النفقات الواجبة هذا أقرب إلى أعط ممسكاً تلفاً، ولو تصدق في الشهر في يوم بعشرة آلاف ولم يتصدق بقية الشهر بشيء وآخر، كل يوم ريال المجموع ثلاثين ريالاً، فأين هذا من هذا؟ لا مقارنة.

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ * فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [سورة سبأ:40-42].

يخبر تعالى أنه يقرع المشركين يوم القيامة على رءوس الخلائق، فيسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صورة الملائكة ليقربوهم إلى الله زلفى، فيقول للملائكة: {أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ}؟ أي: أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟ كما قال في سورة الفرقان: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [سورة الفرقان:17]، وكما يقول لعيسى: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} [سورة المائدة:116]. وهكذا تقول الملائكة: {سُبْحَانَكَ} أي: تعاليتَ وتقدست عن أن يكون معك إله {أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ} أي: نحن عبيدك ونبرأ إليك من هؤلاء.

هنا تخصيص الملائكة {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ} مع أن السؤال متوجه في الآية الأخرى كما سمعتم لعيسى -صلى الله عليه وسلم- هنا تخصيص الملائكة، بعض أهل العلم يقول: لأنهم أشرف معبوداتهم فخصهم بالذكر وإلا فإن السؤال يتوجه إلى من عُبدوا من دون الله -تبارك وتعالى-، وفي الآية الأخرى آية الفرقان جاء ذلك على العموم: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ}.

{بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ} يعنون: الشياطين؛ لأنهم هم الذين زينوا لهم عبادة الأوثان وأضلوهم.

يعني الآن {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ} الملائكة يقولون: {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ} ابن كثير يقول: لأنهم هم الذين زينوا لهم عبادة الأوثان فكان ذلك -يعني طاعة الجن- عبادة لهم بهذا الاعتبار، وهذا المعنى قريب ووجهه ظاهر كما ترون، ومن أطاع هواه فقد عبده {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [سورة الفرقان:43] هؤلاء الذين يطيعون الشيطان هم عابدون له، وكذلك من أهل العلم من قال: إنهم قالوا هذا يعني بل كانوا يعبدون الجن؛ لأن المشركين عبدوا الجن وزعموا أنهم بنات الله، وفي قوله -تبارك وتعالى-: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [سورة الصافات:158]، قالوا: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} [سورة الزخرف:19] بعض أهل العلم يقول: إن المقصود بذلك قبيل من الجن يقال لهم: الملائكة، هكذا زعم بعضهم، وبعض أهل العلم هنا يقول: إنهم عبدوا الجن وزعموا أنهم بنات الله فلهذا لما سأل الله ملائكته أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون؟ تبرءوا من عبادتهم قالوا: إن هؤلاء كانوا يعبدون الجن، وبعض أهل العلم حمله على أن هؤلاء الشياطين طبعاً المقصود بالجن هنا ليس كل الجن وإنما الكفرة منهم الذين هم الشياطين، وبعضهم حمل ذلك على كون هؤلاء الشياطين يتلبسون بهذه المعبودات ويدخلون في أجوافها فلربما كلمتهم وهذا معروف في التاريخ، إذا نظرتم في معبودات العرب وما كان يحصل لهم معها فلربما خاطبهم أو سمعوا لمن يخاطبهم من هذه المعبودات، وفي قصة خالد -رضي الله تعالى عنه- لما بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى العزى، قطع السمُرات وجاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخبره، فأخبره النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه ما فعل شيئًا فرجع فوجد امرأة سوداء ناشرة شعرها تدعو بالويل والثبور، فعممها بالسيف ثم أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((تلك العزى))([15])، يعني هذه مَن هي؟ شيطانة تمثلت وتلبست بهذه الصفة فقتلها خالد      -رضي الله تعالى عنه- ((تلك العزى))، فمن أهل العلم من يقول: هذا هو المراد {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ} أن الشياطين هي التي تتمثل لهم، والواقع أنه يعبد صنماً لكن في داخله شيطان، فهم يعبدون هؤلاء الشياطين، لكن كلام ابن كثير -رحمه الله- هو ما سمعتم من أن المقصود التزيين وأن طاعة الشيطان عبادة له، وأما ابن جرير -رحمه الله- فذكر المعنى الآخر وهو أن هؤلاء عبدوا الجن وكانوا يسمونهم ملائكة، وكانوا يقولون: هم بنات الله، هكذا قالوا عن الجن وعبدوهم.

{أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ}، كما قال تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا} [سورة النساء:117].

قال الله تعالى: {فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا} أي: لا يقع لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه اليوم من الأنداد والأوثان التي ادخرتم عبادتها لشدائدكم وكُرَبكم، اليوم لا يملكون لكم نفعا ولا ضرا، {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا} وهم المشركون {ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} أي: يقال لهم ذلك، تقريعا وتوبيخا.

تم بحمد الله وفضله.


 

[1] - رواه البخاري، في أوائل كتاب التيمم، برقم (328)، ومسلم، في أوائل كتاب المساجد ومواضع الصلاة، برقم (521).

[2] - رواه أحمد في المسند، برقم (2742)، وقال محققوه: "حسن، وهذا إسناد ضعيف لضعف يزيد -وهو ابن أبي زياد الهاشمي مولاهم- لكنه متابع، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح"، والطبراني في الأوسط، برقم (7439)، وصحح إسناده الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (1/316).

[3] - رواه الطبراني في الأوسط، برقم (278)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة برقم (5302).

[4] - رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، برقم (2564)، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب القناعة، برقم (4143).

[5] - بدائع الفوائد، لابن القيم (3/579).

[6] - المصدر السابق (3/579).

[7] - بدائع الفوائد، لابن القيم(3/579).

[8] - المصدر السابق (3/579).

[9] - رواه الترمذي، كتاب صفة الجنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في صفة غرف الجنة، برقم (2527)، ولفظه: "...لمن أطاب الكلام..."، وأحمد في المسند، برقم (1338)، وقال محققوه: "حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف"، وصححه الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح، برقم (1232).

[10] - رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب في الكفاف والقناعة، برقم (1054).

[11] - رواه الطبراني في الأوسط، برقم (2270)، والبزار في مسنده، برقم (1032).

[12] - رواه البخاري، كتاب التفسير، باب تفسير سورة هود، برقم (4407)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف، برقم (993).

[13] - رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: {فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى} [سورة الليل:5-10]، " اللهم أعط منفق مال خلفا"، برقم (1374)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب في المنفق والممسك، برقم (1010).

[14] - رواه الطبراني في المعجم الكبير، برقم (1020)، والأوسط، برقم (2572)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (2661).

[15] - رواه النسائي في السنن الكبرى، برقم (11547)، وأبو يعلى في مسنده، برقم (902).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
twitterRSS
trees
about