شرح حديث النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ رضي اللَّه عنهما "إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيامَة" وحديث سمُرةَ بنِ جُنْدبٍ رضي اللَّه عنه"مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذهُ النَّارُ إِلى كَعْبَيه"
عدد الزوار : 12348
تاريخ الإضافة : 26 شعبان 1428
MP3 : 4027 kb
PDF : 768 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

رياض الصالحين

شرح حديث النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ -رضي الله عنهما-: "إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيامَة.." وحديث سمُرةَ بنِ جُنْدبٍ -رضي الله عنه-: "مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذهُ النَّارُ إِلى كَعْبَيه"

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله, أما بعد:

ففي باب الخوف أورد المصنف -رحمه الله- حديث النعمان بن بشير -رضي الله تعالى عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لرجلٌ يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه, ما يرى أن أحداً أشدُّ منه عذاباً, وإنه لأهونهم عذاباً))([1])، متفق عليه.

قوله: ((إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة)) أي: الأقل والأخف في العذاب, والمقصود بأهل النار هنا في هذا الحديث الذين هم أهلها, يعني الذين يخلدون فيها؛ لأن من أهل الإيمان من يدخل النار كما هو معلوم, وهم يتفاوتون في العذاب الذي يلقونه فيها, ومنهم من يكون دون ذلك, والمقصود بهذا الحديث أبو طالب عم النبي  -صلى الله عليه وسلم-, يقول: ((لرجلٌ يوضع في أخمص قدميه)), والمراد بأخمص القدم المكان الذي لا يطأ عليه الإنسان من القدم, الذي يكون ضامراً في أسفلها, وهو المحل المعروف بين مقدم القدم ومؤخره, يقول: ((جمرتان يغلي منهما دماغه)), وهذا يدل على شدة حر النار وعذابها، وأن ذلك لا يمكن أن يتصوره الإنسان أو يتخيله, فهو شيء يفوق الوصف -أعاذنا الله وإياكم وإخواننا المسلمين منها-, ((جمرتان يغلي منهما دماغه)), -نسأل الله العافية-, هذا أخف أهل النار, فكيف بأشد أهل النار عذاباً يوم القيامة؟, كيف يكون حاله وما يقاسيه من ألوان العذاب والحميم؟, فهذه أمور يحتاج الإنسان أن يتأملها، ويقف عندها ويعظ نفسه بمثل هذه النصوص الثابتة الصحيحة, يقول: ((ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً, وإنه لأهونهم عذاباً)), هو يرى أنه أشد أهل النار عذاباً مع أنه يطأ على جمرتين, فكيف بالذين يطوفون في حميم وفي ألوان السعير, ويشربون من صديد أهل النار ومن الحمأ, ويأكلون الزقوم, ويقاسون ألوان العذاب والإحراق؟!.

والحديث الآخر هو حديث سَمُرة بن جُندب -رضي الله تعالى عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((منهم من تأخذه النار إلى كعبيه)), والكعبان معروفان وهما عظمان ناتئان في أسفل بين الساق وبين القدم, ((ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه, ومنهم من تأخذه إلى حُجزَته)), والحُجزة المقصود بها معقد الإزار, ((ومنهم من تأخذه إلى ترقوته)), والمقصود بالترقوة هي هذا العظم, الإنسان له ترقوتان, هذا يقال له: ترقوة وهذا يقال له: ترقوة, ((تأخذه إلى تَرقُوته)), يعني إلى هذا الموضع -نسأل الله العافية-، رواه مسلم.

 ومنهم من تغمره النار وتأكله جميعاً, والناس يتفاوتون, فالنار دركات كما أن الجنة درجات, والنار التي تكون للكافرين أسفلُها وأعظمها حراً وأشدها إحراقاً هي النار التي تكون للمنافقين, {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء:145], فكلما هبط الكافر وانسفل فيها كلما زاد حرها وإحراقها ولهيبها وشدتها, وهكذا, وأما أهل الإيمان الذين يدخلونها بسبب ذنوبهم فإنها نار خاصة, طبقة خاصة بهؤلاء المؤمنين, تحرقهم بحسب ذنوبهم وأحوالهم وأعمالهم وتقصيرهم, حتى إن منهم من يصير حُمَمة كما جاء في الأحاديث الصحيحة, فيلقون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل, ترون النبتة الصغيرة الصفراء كيف هي ملتوية تنبت في حميل السيل ضعيفة, فينبت هؤلاء الذين تحولوا إلى حمم, احترقوا بكاملهم, -نسأل الله العافية-, هؤلاء من أهل الإيمان, فكيف إذاً بالكافرين الذين هم مخلدون في السعير بلا انتهاء, لا يقدر ذلك بألف سنة ولا بمليون سنة, ولا بمليار من السنين, ولا بوقت يمكن أن يعد أو يحصى، فعذابها لا انقطاع له, لا يفتر عنهم, لا يجدون تخفيفاً, ولا تنفيساً, ولا توقفاً من العذاب, عذاب مستمر, يُضربون ويسحبون ويحرقون, و{يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ*وَالْجُلُود وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} [الحـج:19-21], يضربون بمقامع من الحديد ضربًا بصورة دائمة مستمرة, الإنسان لو ضرب بهذه المقامع التي من حديد مرة واحدة لربما يموت وينتهي كل شيء, ولكنه هناك يضرب دائماً ويصب عليه هذا الحميم دائماً, ومع ذلك هو لا يموت, {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} [فاطر:36]، وهذا الكفر قد يقع الإنسان فيه بكلمة, كلمة كما سبق في الحديث الذي مضى معنا ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب))([2]) أي: القدر، ((فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)), والإنسان قد يدخل النار بكلمة واحدة, والنبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أنه ((دخلت امرأة النار في هرة حبستها))([3]), في هرة, بسبب هرة, فالأمر ليس بالسهل, والله -عز وجل- قد أهبط آدم -عليه الصلاة والسلام- وأخرجه من الجنة بسبب أكلة, وحكم بقطع يد السارق في ربع دينار, فالذي قال عن نفسه -تبارك وتعالى-: إنه غفور رحيم، كما في قوله: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر:49]، أخبر أيضاً أنه شديد العقاب, شديد العذاب, {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ} [الحجر:50], فالإنسان ينبغي أن يكون أحرص ما يكون على سلامته وعافيته من هذه النار, وأن تكون عاقبته حميدة, وأن لا يكون أحد أحرص منه على مستقبله الحقيقي الذي ينعم فيه أبداً, أو يعذب فيه أبداً, هذه الحياة مهما أعطي الإنسان من نعيمها وروحها ولذاتها وسرورها وقصورها وكنوزها إنما هي حياة يسيرة, كم يعيش؟ ستين أو سبعين سنة، ثم بعد ذلك في حفيرة يستوي فيها الغني والفقير, يخرج بخرقة، لا يخرج بشيء من المال, ولا المراكب ولا الرياش ولا الطعام, فتلك الحياة هي التي تحتاج إلى عمل, تحتاج إلى توبة دائماً, ورجوع إلى الله -عز وجل-, ومحاسبة للنفوس, وإقبال بالأعمال, وهذه النفوس تحتاج إلى كثير من المجاهدات من أجل حملها على طاعة الله -عز وجل-, وإلا لصار جميع الناس -لو لم نحتج إلى المجاهدة- على الدرجة الكاملة من التقوى, ولكنهم يتفاوتون غاية التفاوت لتفاوتهم في المجاهدة, وصبر النفس على طاعة الله -عز وجل-, وبذلك يتفاوتون في الآخرة, فينبغي على الإنسان أن ينظر كيف يكون سيره على الصراط في هذه الحياة الدنيا، ليعرف كيف سيكون سيره على الصراط المنصوب على متن جهنم.

نسأل الله -عز وجل- أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى, وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته, وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.


 

[1] - أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار (8/115)، رقم: (6561)، و مسلم، كتاب الإيمان، باب أهون أهل النار عذابا (1/196)، رقم: (213)، واللفظ لمسلم.

[2] - أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (4/111)، رقم: (3208)، ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته (4/2036)، رقم: (2643).

[3] -  أخرجه البخاري، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء (3/ 112)، رقم: (2365).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about