(7) من قوله تعالى"وأنكحوا الأيمى" الآية32 إلى قوله تعالى"وموعظة للمتقين" الآية 34‏
عدد الزوار : 2067
تاريخ الإضافة : 12 جمادى الأول 1430
MP3 : 32976 kb
PDF : 192 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة النور من الآية 32 إلى الآية 33

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً، وبعد.

قال المصنف -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [سورة النور:32-34].

اشتملت هذه الآيات الكريمات المُبِينة على جمل من الأحكام المحكمة، والأوامر المبرمة، فقوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ... الخ}: هذا أمر بالتزويج.

وقال -عليه الصلاة والسلام-: ((يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء))([1]) أخرجاه من حديث ابن مسعود.

وجاء في السنن -من غير وجه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((تَزَوَّجوا، توالدوا، تناسلوا، فإني مُبَاهٍ بكم الأمم يوم القيامة))([2])، وفي رواية: ((حتى بالسقط))([3]).

الأيامى: جمع أيِّم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها، وللرجل الذي لا زوجة له، وسواء كان قد تزوج ثم فارق، أو لم يتزوج واحد منهما، حكاه الجوهري عن أهل اللغة، يقال: رجل أيّم وامرأة أيّم أيضا.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى-: {وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ} أنكحوا بمعنى زوِّجوا، وهذا الخطاب على الأرجح موجه إلى الأولياء، {وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ} والزواج إن كان الإنسان يخشى على نفسه العنت وكان قادرا فهو واجب عليه، وإن كان لا يخشى على نفسه العنت فأهل العلم يختلفون في حكمه، فالشافعي -رحمه الله-    يرى أنه مباح، يعني مستوي الطرفين، وجمع من أهل العلم كأبي حنيفة ومالك يرون أنه مستحب أو أنه  سنة، باعتبار أنه من سنن الأنبياء أو أحدهم -عليهم الصلاة والسلام-، ويحصل فيه العفاف، وهو وإن لم   يكن يخشى على نفسه العنت فإن العفاف يتحقق بذلك بصورة أكبر، كما أنه يعف امرأة، إضافة إلى ما   يحصل من جرائه من النسل والولد، وقد حث النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، بقوله: ((تزوجوا  الودود الولود))، وعلل هذا بكونه -صلى الله عليه وسلم- يباهي و يكاثر الأمم يوم القيامة، فهذا لا يتعلق بخشية الإنسان على نفسه العنت، وهذا الأمر متوجه إلى هذا المعنى، فالشارع طلب النكاح، وهذا الطلب تارة يكون للوجوب، وتارة يكون للندب، وهذا القدر يدل على المشروعية، إذ المشروعية    تتحقق بطلب الشارع إما وجوباً، وإما ندباً، يقال: هذا العمل مشروع، بمعنى أن الشارع طلبه من     المكلفين، ولا شك أن الشارع طلب هذا المعنى للنكاح، لكنه قد يكون في بعض الحالات مباحاً كما لو كان الإنسان لا أرب له في النساء، وقد علم أنه عقيم لا حاجة إليه في النساء أصلاً، أو أنه يخشى على   نفسه العنت أو نحو ذلك، لكنه لا أرب له بالنساء أصلاً، لا حاجة له بالنساء وهو عقيم لا يولد له، فمثل هذا لا يقال له: إنه مستحب، فلا يحصل من فعله هذا إعفاف أو عفاف، ولا يحصل منه ولد، فربما هو  يتزوج للخدمة أو نحو ذلك، ومثل هذا لا يقال: إنه المشروع بحقه، وإنه مستحب، وإنما يقال هنا: إن     العلة هنا منتفية سواء كانت مكاثرة الأمم، أو كانت العفاف والإعفاف فقد يكون بهذه الصورة مباحاً إذا  علمت المرأة بحاله وقبلت، فالمرأة بحاجة إلى رجل تعيش في كنفه مثلاً، أو بحاجة إلى من ينفق عليها، والعلم عند الله -تبارك وتعالى-، و"الأيامى" جمع أيّم وهو من لا زوج له سواء سبق له التزوج، فالرجل المطلّق أو الذي ماتت امرأته، أو المرأة التي مات زوجها أو طلقها يقال لها: أيم، يقال ذلك للرجل وللمرأة، ولم يقيد هنا بالصلاح كما سيأتي في الأرقّاء: "والصالحين من عبادكم وإمائكم"، ربما لكون ذلك هو الغالب على الأحرار؛ لأن هنا المراد الأحرار، "وأنكحوا الأيامى منكم" أي من الأحرار، يقال: إن الغالب من الأحرار الصلاح بخلاف المماليك فقُيد في حقهم بالصلاح {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}، وعلى كل من قدر عليه هذا القدر؛ لأنه ليس بخارج عن المعنى الذي يتكلم عليه المفسر، وذلك أن الأمر هنا {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ} أمر بالتزويج، فهل الزواج واجب أو مستحب أو مباح؟، هذا في أول تفسير الآية، وفي قوله -تبارك وتعالى-: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} بعض أهل العلم أخذ منها أن العبد يزوج نفسه -مع أنه ملك لسيده ولا يتصرف إلا بإذنه- فهذا المعنى قد يكون صحيحاً؛ لأن الأمر هنا في حق الأحرار والمماليك {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} وإذا قيل: إنها تدل على أن العبد لا يزوج نفسه، فيمكن أن   يقال: إنها تدل على أن الأحرار أيضاً لا يزوجون أنفسهم، ولا قائل بهذا، أما بالنسبة للمرأة فهذا لا شك فيه، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل))، فالمرأة لا تزوج نفسها، لكن الأيامى لا يختص بالنساء كما سبق، فما يتصل بالمماليك يؤخذ من معنى آخر، لا من هذه الآية، والله تعالى أعلم.

وفيما يتعلق بالحديث هنا: ((تزوجوا توالدوا تناسلوا، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة))، علق عليه فقال: لم نعثر على هذا اللفظ، وإنما رواه أبو داود والنسائي بلفظ قريب من هذا، اللفظ المعروف ((تزوجوا الودود الولود فإني مباهٍ أو مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)) أو كما قال -عليه الصلاة والسلام.

في قوله: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} عبر بلفظ العباد والإماء مع أنه جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- النهي عن قول ذلك: ((ولا يقل أحدكم عبدي أمَتي، وليقل فتاي وفتاتي وغلامي))([4])، هذا يدل على أن ذلك للآداب، هو من باب الأدب في الألفاظ، ولكنه ليس بمحرم أن يقول الإنسان: عبدي وأمتي، فالعلماء يستدلون على الجواز يقولون: إن الصارف الذي صرف النهي في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يقل أحدكم عبدي وأمتي)) المواضع الأخرى التي ورد فيها هذا الاستعمال مثل هذه الآية.

وقوله تعالى: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: رغبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعدهم عليه الغنى، فقال: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}.

 وعن ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله تعالى: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} رواه ابن جرير، وذكر البغوي عن عمر نحوه.

وعن الليث، عن محمد بن عَجْلان، عن سعيد المقْبُرِي، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ثلاثة حَقٌّ على الله عَوْنهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتَب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله))([5])، رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

وقد زوَّج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك الرجل الذي لم يجد إلا إزاره، ولم يقدر على خاتم من حديد، ومع هذا فزوّجه بتلك المرأة، وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما يحفظه من القرآن.

والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه وإياها ما فيه كفاية له ولها.

قوله -تبارك وتعالى-: {إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} هذا أحد المواضع التي ذكر طائفة من أهل العلم أنها من أسباب الغنى، التزوج، أن يتزوج الفقير، وتجدون في تفاريق كلام المفسرين في مواضع في كلامهم على أشياء من كتاب الله -تبارك وتعالى-، كما تجد ذلك عند قوله -تبارك وتعالى- {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [سورة طـه:132] فيذكر بعضهم هنا أن الصلاة والمحافظة عليها من أسباب الرزق، وكذلك أيضاً الولد فإن الله -تبارك وتعالى- قال: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [سورة الإسراء:31] يعني الفقر، {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} وقال: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ} [سورة الأنعام:151]، يعني من فقر واقع {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} وهذه المواضع لا تدل دلالة قاطعة صريحة على أن هذه الأمور من أسباب الغنى حتماً، وفي قوله -تبارك وتعالى-: {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} هو إخبار أن الرازق الله -تبارك وتعالى-، فإذا كثر الأولاد فإن ذلك لا يعني أن الإنسان يتحمل رزقهم فهو لا يرزق نفسه حتى يرزق غيره، وإنما الذي يرزق هو الله -تبارك وتعالى- فإذاً لا داعي للتخوف من الفقر بسبب الأولاد؛ لأن الله -تبارك وتعالى- هو الذي يتولى رزق عباده، هذا المعنى، وهكذا في قوله -تبارك وتعالى-: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}} ليس ذلك في ظاهره مرتبطاً بإقامة الصلاة، بمعنى أقم الصلاة ونرزقك، وإنما قال: {لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ} وهكذا في هذا الموضع "إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله"، هذا أوضحها {يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} ولم يقيد ذلك بالمشيئة، فلم يقل: إن شاء، إنما قال: {يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}{إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}، والمقصود أن فقر الإنسان لا يكون سبباً في رده للنكاح وعدم تزوجه، فإن الله -تبارك وتعالى- هو الذي تكفل بأرزاق العباد، والفقر ليس بعيب يلحق الإنسان فيرد به، إنما العيب يكون في الأمور الاختيارية كمن كان فقره بسبب قعوده عن العمل وكسله ونحو ذلك، هذا مذموم، وهكذا من كان تاركاً لمعالي الأمور ونحو ذلك، يترك العمل الصالح ونحو هذا، فترك هذا مما يعيب الإنسان، أما الأمور التي لا يد له فيها، قدر الله عليه الفقر هو يعمل ويذهب ويبحث عن أسباب الرزق، ومع ذلك لا يحصل له كبير شيء فمثل هذا لا يعيبه، ولا تنحط مرتبته لا عند الله ولا عند الخلق، فهو ابتلاء ابتلاه الله -تبارك وتعالى- به، ولكن العيب بغير هذا، العيب في معصية الله -عز وجل-، والقعود عن معالي الأمور، وما شابه ذلك.

وقوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}، هذا أمر من الله تعالى لمن لا يجد تزويجًا بالتعفف عن الحرام، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: ((يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغَضُّ للبصر، وأحْصَنُ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء)).

في قوله: {يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} من أهل العلم من فسر الغنى هنا {يُغْنِيَهُمْ} أي يحصل لهم الكفاية، ليس بمعنى الغنى الذي قد يتبادر إلى الأذهان أنه يصير غنياً، وبعضهم قال: باعتبار الغالب، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((ثلاثة حق على الله عونهم الناكح يريد العفاف.....إلى آخره)) لا يفهم منه أنه يصير غنياً، وإنما يعان، وهذا مشاهد فإن من أراد العفاف بالنكاح فإن أمره يتيسر، ويحصل له مطلوبه من النكاح، وقد يكون ذلك لا يخطر له على بال قبل أن يشرع فيه كما نشاهد.

وقوله: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا} هذا أمر من الله -تبارك وتعالى-، ليستعفف والسين والتاء للطلب، يعني ليطلب العفاف، يستعفف بمعنى أنه يُعرض عن الحرام، ويكون عفيفاً لا يدخل مداخل الريب، ولا يقارف ما يدنس الشرف والعرض من ألوان المقارفات المحرمة، {وَلْيَسْتَعْفِفِ} ليطلب العفاف، {الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا} أي لا يستطيعون ذلك؛ لتعذر أسبابه، لا يستطيع دفع المهور، أو النفقات أو نحو ذلك، {لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} وهنا ما أمرهم أن يسألوا الناس وأن يستجدوهم، وإنما أمرهم بالعفاف {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}، فإذا سأل سائل وقال: أنا لا أجد قدرة على التزوج هل أسأل الناس؟ هل آخذ من صدقاتهم وزكواتهم ونحو ذلك أو أصبر؟ فالله -تبارك وتعالى- أرشد إلى هذا المعنى، يطلب العفاف بمعنى أنه يفعل ما يحصل به العفاف من الصبر وغض البصر والإعراض عما حرم الله -تبارك وتعالى-، والصيام الذي أرشد إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وما شابه ذلك {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا} بمعنى لا يقدرون عليه، لا يجدون المهور والنفقات التي يتطلبها النكاح {حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}.

وحديث: ((من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم)) من يقول: إنه يجب، يحتج بمثل هذا؛ لأن هذا أمر فجعل الناس على فئتين، لكن من يقول: إن هذا الأمر للإرشاد، يعني من لم يستطع النكاح لا يجب عليه أن يصوم، ولا يجب على غير المتزوجين أن يصوموا، ويمكن للإنسان أن يستعفف بغير الصيام، والناس يتفاوتون في هذه الأمور، وطلب النفوس لها، فمن الناس من يضعف ذلك في نفسه، ومنهم من يقوى، وحتى الصوم بل أكثر ما يقع عليه رجال الهيئة -أهل الحسبة- من المقارفات المحرمة أكثر ذلك في رمضان، وهذا مشاهد، وأكثر ذلك في وقت الصيام بعد صلاة الفجر في رمضان، وكثير من السائلين المتزوجين كثير في رمضان يستفتون عما حصل لهم من وقاع الزوجات في نهار رمضان، والسبب في هذا أنهم يسهرون طول الليل كل يوم فهو لا يرى زوجته أو لا يحصل له قرب، أو دنو منها إلا في نومهم وقت الصيام في النهار، ينام بعد الفجر فيبقى على هذه الحال سائر الشهر، فإذا قل الخوف من الله -عز وجل- فإنه يقع فيما حرمه الله -تبارك وتعالى- عليه، فالشاهد أن الصيام حتى الإنسان الذي يصوم الذي لا يراعي المعنى الذي من أجله يحصل العفاف في الصوم كالذي يأكل كثيراً إذا أفطر، أو يأكل سائر الليل، أو نحو هذا فإن هذا الصوم لا ينفعه من هذه الحيثية، ولا يؤثر فيه العفاف بل تتوقد شهواته، وجاء عن ابن عمر -رضي الله عنه-: أنه ذكر أنه لا يعلم أحداً أوتي في هذا الباب بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- يعني في القوة على النكاح- كما أوتي هو، وذكر أنه يصوم -كان صاحب عبادة-، فإذا أفطر، أفطر على النكاح مع أن الغالب أن الإنسان قبيل فطره يكون قد ذبل وضعف، فإذا أفطر عند ذلك يبدأ يتجدد له النشاط والقوة لكن الإنسان الذي لا يأكل كثيراً إذا صام وكان لا يدمن الصيام يعني يصوم فقط الإثنين والخميس، فإن هذا لا يحصل له كسر الشهوة -كما هو مشاهد- فكيف يحدث هذا؟ كما قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-    ذكر هذا السؤال والإشكال بأن الصوم يسبب حرارة في الغريزة أحياناً، وهذا الصوم هو الصوم القليل فمن أراد العفاف بالصوم فعليه أن يدمنه، بمعنى يكثر من الصيام يسرد سرداً، أو يقلل من الطعام، يقلل إذا أفطر، يسرده سرداً، وكذلك لو أنه مثلاً يصوم يوماً ويفطر يوماً هذا لا يظهر أثره إلا بعد حين، ويقلل   من الطعام، أمّا أن يصوم الإنسان الأيام البيض أو الإثنين والخميس فقط، وينتظر بعد هذا أن يحصل له العفاف فهذا غير صحيح -والله أعلم-، ومن الأسباب التي ذكرها الله -عز وجل- ما ذكره الحافظ هنا في قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِناتِ} [سورة النساء:25] الطَّوْل بمعنى الغنى، وقال: {فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} أبيح له مع أن الأصل أنه لا يجوز للإنسان أن يتزوج الأمة، فرق بين أن يتسرى بها وأن يتزوجها، إذا تسرى الرجل بالأمة اشتراها صارت مملوكةً له فإن الأولاد يكونون أحراراً، وإذا تزوج الأمة عقد على أمة مملوكة فإن الأولاد يكونون أرقّاء، ولهذا لا يجوز التزوج بالإماء إلا في حال الاضطرار، ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات -يعني الحرائر- المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات، وقيده فقال: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} أبعد عن نفسه الزنا، {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} يعني من التزوج بالإماء، فلا يكون التزوج بالأمة إلا في حال الضرورة فقط، فهذه الوسائل التي يحصل بها إعفاف النفوس.

وهذه الآية مطلقة، والتي في سورة النساء أخص منها، وهي قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ}، إلى أن قال: {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [سورة النساء:25] أي صبركم عن تزوج الإماء خير؛ لأن الولد يجيء رقيقا، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

قوله: وهذه الآية مطلقة، وجه الإطلاق فيها أنه هنا قال: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا} يعني جعل القضية إما نكاحٌ تزوجٌ، {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا} أو يطلب العفاف، لكن قد يقال: إن    تزوجه من الأمة هو من النكاح، لكن التزوج من الأمة لا يتطلب ذلك المهر الذي لربما فيه من الكلفة كما   هو الشأن بالنسبة للحرة، وإلا لم يرخص له أن يتزوج الأمة ولهذا قال: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ   يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ}، هنا قال: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا} لا يستطيع أن يتزوج الحرائر، مع أن الآية مطلقة يدخل فيها هذا وهذا، يعني يدخل فيها الأمة، ويدخل فيها عدم القدرة على النكاح مطلقاً، هو يقول: إنها مقيدة لقوله: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ...}، ويمكن أن يقال: إن ذلك كله داخل في قوله: {وَلْيَسْتَعْفِفِ} أي يطلب العفاف بأمور منها: التزوج بالأمة، وأن آية النساء غير مقيدة لآية النور، يمكن أن يقال هذا، لا أقول: إنها مبينة لها؛ لأن التقييد أصلاً من البيان، تقييد المطلق من البيان، وتخصيص العام من البيان، ولكن يقال: إن قوله: {وَلْيَسْتَعْفِفِ} يدخل فيه سائر ألوان الاستعفاف، ومنها التزوج بالأمة، المقصود أنه ليس بالضرورة أن يكون ذلك من قبيل التقييد.

قال عكرمة في قوله: ;: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا} قال: هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقضِ حاجته منها، وإن لم يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السماوات والأرض حتى يغنيه الله.

فلينظر في ملكوت السماوات والأرض، أو غير ذلك من الأسباب التي يحصل بها هذا المعنى، وعكس هذا تماماً هو تحريك الغرائز والشهوات لما يلهبها من النظر في المواقع والقنوات السيئة، وغيرها من الأمور، فالغرائز كامنة في النفوس، وهي بطبيعتها تتحرك وتدفع الإنسان إلى ما يحصل به قضاء الوطر وليس بحاجة إلى من يزيد على ذلك، فإنّ تحركها في النفوس أمر غريزي، غريزة يعني حتى في البهائم،   هذا في الإنسان الذي لا يشتغل بشيء يدفعها ويثيرها، فكيف بالذي يصب البنزين على النار؟!، فإنه يكون   في سكرة فهو لا يفيق من شهوة حتى يواقع أخرى، وهكذا يبقى ديدنه يواقع ما حرم الله -تبارك وتعالى-، بل لربما يعمى عن كل شيء حتى يقع على ذات محرم، فإذا عمي الإنسان وغلب عليه ذلك صار     كالبهيمة أحياناً، فهؤلاء يشاهدون هذه المشاهد السيئة ونحو ذلك، وتسمع أسئلة ذويهم أحياناً أو من أسئلتهم   ما يدل على هذا المعنى، أن يتحول إلى إنسان هائج يريد قضاء الوطر ولا يفيق إلا بعد ذلك، وهكذا يعاود الكرة فيشعل هذه النار في نفسه وليس هناك خير من العافية، أن ينأى الإنسان بنفسه عن كل ما يحرك    ذلك فيها فيستريح، تصور من يجلس في مسجد ويشتغل بالعلم تصور حال هذا وقارنِها مع إنسان آخر جالس أمام الشاشة ينظر في أمور تدمر كل شيء في نفسه، تسوقه سوقاً، أو من يقف في سوق من الأسواق    ينظر في الغادية والرائحة، وفي تلك والأخرى التي تمشي والتي قد تكشفت أو أبدت زينتها أو نحو هذا، فتتعذب نفسه، وتتحرك كوامنه، فالبعد والنأي بالنفس هو عين النظافة، والنزاهة وراحة القلب وطمأنينة النفس وإلا فالله المستعان.

وقوله: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} هذا أمر من الله تعالى للسادة إذا طلب منهم عبيدهم الكتابة أن يكاتبوا، بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلى سيِّده المال الذي شارطه على أدائه.

وقال البخاري: "وقال روح عن ابن جُرَيْج قلت لعطاء: أواجب عليّ إذا علمت له مالا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبًا، وقال عمرو بن دينار: قلت لعطاء، أتَأثُرُه عن أحد؟ قال: لا، ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين سأل أنسًا المكاتبةَ -وكان كثير المال-، فأبى، فانطلق إلى عمر بن الخطاب فقال: كاتِبْه، فأبى، فضربه بالدِّرة، ويتلو عمر -رضي الله عنه-: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}، فكاتَبَه"([6])، هكذا ذكره البخاري تعليقا.

ورواه عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: أواجب عليّ إذا علمت له مالا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجباً([7]).

وروى ابن جرير -رحمه الله تعالى- عن أنس بن مالك: أن سيرين أراد أن يكاتبه، فتلكأ عليه، فقال له عمر: لتكاتِبَنَّه([8]). إسناد صحيح.

وقوله: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}، قال بعضهم: أمانة، وقال بعضهم: صدقاً، وقال بعضهم: مالا وقال بعضهم: حيلة وكسبا.

قوله -تبارك وتعالى-: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يبتغون أي يطلبون، يبتغون الكتاب يعني يطلبون الكتاب يعني أن يكون مكاتباً، والكتابة بعضهم يقول: مأخوذة من الكَتْب وهو الضم والجمع، وذلك أنها تكون على أقساط بمعنى نجوم، فمجموع ذلك يقال له: كتابة، يقول: مجموع هذه الأقساط، يقال له: كتابة، وبعضهم يقول: مأخوذة من هذا المعنى، ولا شك أن لفظة الكَتْب تدل على الجمع، تقول: الكتيبة مجموعة من الجند ينظم بعضهم إلى بعض، ويقال: الكتاب؛ لأنه يجمع الفصول والأبواب إلى آخره، ويقال: الكتابة؛ لأنها تجمع الحروف والكلمات والجمل، ولكن هنا الكتابة في هذا الباب هي من الجمع، لكن أيّ جمع؟ هل المقصود جمع الأقساط النجوم التي يدفعها المكاتب؟ هنا يقال: أصل الكتابة بمعنى الجمع، والمقصود بها الكتابة المعروفة؛ لأن ذلك يكون بكتابة عادة أيْ عقد يُكتب، وبعض أهل العلم يقول: لما كانت الديون والمعاملات ذات الآجال تكتب للتوثيق فقيل لهذا: كتابة؛ لأنها تكون على آجال ونجوم وأقساط، فمن شأن ذلك أن يكتب، وحقيقة المكاتبة هي عقد بين المملوك والسيد على أن يعتق بموجب قدر من المال يدفعه لسيده، وعامة أهل العلم –الجمهور- يقولون: على آجال بمعنى أنه لا يكون دفعة واحدة، يقولون: لابد من قسطين وأكثر على دفعات، هذه حقيقة الكتابة، فكاتبوهم {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} يطلبون الكتاب، {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}، هذا أمر من الله -تبارك وتعالى- فكاتبوهم، والأصل أن الأمر للوجوب إلا لصارف، ومن هنا اختلف أهل العلم في الكتابة هل هي واجبة أو ليست بواجبة؟؛ بناء على هذا الأمر من الله -تبارك وتعالى-، فالذين قالوا بالوجوب وهم طائفة كثيرة من أهل العلم ومروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- لكنه بسند ضعيف لا يصح، لكن روي عن جماعة كثيرة، وهو منقول عن عمر كما في قصة سيرين قال:  "لتكاتبنّه"، وهو منقول عن عطاء -رضي الله عنه-، وجاء عن عكرمة ومسروق وعمر بن دينار والضحاك وآخرين وهو القول القديم للشافعي، وهو اختيار كبير المفسرين ابن جرير الطبري أخذاً من هذا الأمر، وهو في الأصل للوجوب، فقالوا: هي واجبة، {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}، والذين قالوا: لا يجب وهو القول الجديد للشافعي، وهو قول مالك، والثوري، والشعبي، ومنقول عن أبي رباح بإسناد ضعيف لا يصح، وبه قال جماعة كثيرة من أهل العلم، وهؤلاء يقولون: إن المكاتبة غير واجبة وإنما هي مباحة، وهذا أمر متروك للسيد، بل هذا هو الذي يقول به الجماهير من أهل العلم، ويجيبون عن هذا الأمر {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} فيقولون: يدل على أن ذلك غير واجب أنه لا يجب عليه بيعه ولا هبته، أي يهب هذا المملوك فهو ملكه إن شاء باعه وإن شاء أعتقه وإن شاء وهبه فكما لا يجب عليه بيع ولا هبة في ماله، ولا يحل كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه))([9])، فتُلزِم هذا الإنسان في المكاتبة -وهي نوع معاوضة- بأن يُعتِق على أنه يدفع له قيمته، فهذا لا يجب عليه، فكما لا تجب عليه المعاوضات الأخرى من بيع ونحو ذلك أو إجارة لهذا المملوك فكذلك لا تجب هذه المعاوضة التي هي المكاتبة، فكيف يلزم بهذا؟، وقالوا –أيضا-: هذا الأمر ليس للوجوب وإنما للإرشاد، وهذا قول الجمهور.  

والمقصود بالخير في قوله: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}: حاصل أقوال أهل العلم فيه ترجع إلى قولين: يعني العبارات المتفرقة الموجودة في كلام المفسرين هي في الواقع ترجع إلى اثنين، فبعض أهل العلم يذكر الأمانة والصلاح، والتقوى، والصدق وغير ذلك من المعاني، حتى إن بعضهم ذكر الصلاة قال: أنت بخير، يعني: يصلي، فذكروا معاني الصلاح، وبعضهم يذكر معنى آخر، وهو القدرة على الاكتساب، {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}، يقول: فلان فيه خير، وفلان ما فيه خير، أحياناً في مقام يدل على أن المقصود بالخير ليس صلاح الحال والتقوى، وإنما المقصود به أنه يستطيع أن يكتسب ويحصل ويعمل، {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}، وبعضهم يقول: مالاً، ولكن هذا بعيد والسبب أن المملوك لا يملك على قول عامة أهل العلم وهو الصحيح، وإلا فإن من أهل العلم من يقول: إنه يملك، ويحتج بهذه الآية بعد أن يفسر الخير بالمال يقول: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} قال: مالاً وهذا يدل على أن المملوك يملك، لكن يقال: هذه النتيجة الآن مركبة على مقدمة غير مسلّمة، ولهذا فإن الأقرب -والله تعالى أعلم- هو اختيار ابن جرير: أن المقصود بالخير هنا هو ما يحصل به المقصود للمكاتِب، يعني المالك فماذا يريد منه المكاتِب؟، هو يريد الوفاء مع القدرة على الكسب، بمعنى أنه ليس بمتحيِّل يريد الكتابة ثم بعد ذلك يذهب ولا يفعل شيئاً، يتخلص من عمل سيده، يقول له سيده: اذهب اكتسب لك سنة كل شهر تدفع لي كذا، فيقول: طيب يذهب ويجلس مع جماعة من الأرقّاء يأكل ويشرب وينام، ومن ظل إلى ظل ويترك العمل ثم لا يرجع بشيء، والله يا عمي ما عندي شيء، ما حصّلت شيئاً، أو أنه لا يكون عنده قدرة على الكسب فيذهب يشحذ عند المسجد، أو كلما خرج واحد من المسجد تبعه، أنا مكاتَب وعاطل وساعدوني وكذا، فكما جاء عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- ما يدل على التنزه من هذا المعنى، يقول: تطعمني أوساخ الناس مَن يذهب ويأخذ الصدقات والزكوات ولا يكتسب، فالمقصود بقوله: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} الخير أحياناً يطلق على المال، وأحياناً كقوله -تبارك وتعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [سورة العاديات:8] يعني المال، {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [سورة الفجر:20]، وهكذا في قوله: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [سورة البقرة:180] يعني إن ترك مالاً، لكن ليس في كل المواضع المقصود به المال، {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} والتعدية تدل على هذا، {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ} إنما هو القدرة على الاحتراف والكسب مع الوفاء، فيه وفاء وأمانة، يكتسب، يعمل، ويكون فيه أمانة يؤدي ذلك، وهذا الذي ذهب إليه جماعة من أهل العلم من السلف ومن بعدهم مثل ابن عمر كما سبق، وابن زيد من التابعين، وهو مذهب مالك والشافعي، وبعضهم حملها على بعض المعاني من الصلاح ونحوه، واقتصر على هذا دون ذكر الاحتراف والكسب، وإن تفرقت أقوال هؤلاء، ولعل بعضهم يقصد التفسير بالمثال، يعني حينما يقول: أنت بخير يعني أن يصلي مثلاً، فهذا لا ينفي قول من قال: إن علمتم فيهم صلاحاً، وهو داخل فيه، فيه صلاح، استقامة، خوف من الله -عز وجل- أو نحو ذلك، وهذا إذا جمعته تجد أقوال كثير من المفسرين تندرج تحته من التابعين فمن بعدهم، وأما تفسير ذلك بالمال -وهو لا يصح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وإن قال به بعض السلف غير ابن عباس، قال به بعض التابعين وهو منقول عن علي -رضي الله تعالى عنه-، فالأقرب ما ذكره ابن جرير -وهو مسبوق إليه-: هو أن ذلك يفسر بما ترجع إليه حاجة المكاتِب من المكاتبة، القدرة على الاحتراف والكسب والعمل مع وفاء وصدق، وتبقى مسألة النجوم هذه هل يجزئ أن يكون بدفعة واحدة؟، يقول له: أكاتبك وأعطيك، أو بعد أسبوع أعطيك كل المبلغ، يكون هذا إما عنده قدرة لاعب أو فنان أو غير ذلك، حفلة واحدة أو مباراة واحدة ويأتي له بمائتين وخمسين ألفاً، ويقول له: تفضل هذه هي القيمة مثلاً التي اتفقنا عليها، أو يكون له علاقات ومعارف ويستطيع أن يوفر، فالجمهور يقولون: لابد من نجمين فأكثر، لكنّ أبا حنيفة يقول: يصح أن تكون بدفعة واحدة فقط، وإلا فالبقية يقولون: لابد من أن تكون على نجوم، ومن أهل العلم من يقول: الأمر مطلق هنا: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} سواء كانت حالّة أو مؤجلة، وإن جرت العادة أن الكتابة تكون على نجوم وأقساط {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}، وهذا يعني أن الإنسان إذا لم يعلم فيهم خيراً فإنه لا يكاتبهم، وبناء عليه فإن إعتاق المملوك أحياناً يكون وبالاً على المملوك نفسه، وهذا في كثير من الأحوال كالذي اعتاد على الرق وهو مسلوب الإرادة، يعني غير مستقل بالتصرف واعتاد ونشأ على هذا منذ الصغر فإنه لا يستطيع أن يتصرف بنفسه، يضيع، أنت تُسلمه إذا أعتقته للضياع، يخرج من الرق ثم بعد ذلك لا يستطيع أن يتصرف، هو معتاد أن يُؤمر ويُنهى ويطعم، فإذا تُرك جاع، قد لا يحسن إلا أن يجلس عند باب المسجد فقط، لا يستطيع أن يفكر؛ لأنه قد عطل عقله أصلاً، قد تعود على: افعل لا تفعل!، يأكل شيئا معيناً كل يوم وانتهينا من الطعام، فيضيع وهذا كثير، ولهذا تجب مراعاة مصلحة المملوك في هذا، فلا يعتق ثم بعد ذلك يكون هذا العتق ضرراً عليه، فمن الناس من يكون الرق خيراً له، إذا كان فيه همة ونشاط فلا بأس، حتى إن بعض الذين اعتادوا على مسألة الناس، تسمع أحياناً أن بعض من نشأ على هذا سُرق من أهله وهو صغير، ورُبي على المسألة أنه بعد أن عثر عليه أهله صار ذلك يلازمه،     وكلما رأى أحداً أو جاءهم ضيف جاء إليه، ومد يده! معتاد على السؤال، فمن نشأ على شيء واعتاد عليه فإنه يصعب عليه أن يفارقه، وهذا المعنى ينبغي أن يراعى، فليس مقصود الإسلام من العتق وفتح أبواب العتق بالكفارات وغيرها والترغيب فيه أن يكون ذلك في غير مراعاة للمصلحة التي تعود على المعتَق، وعلى المجتمع في نفس الوقت، فقد تخرج للمجتمع مجموعة من المجرمين ليس لهم حيلة إلا في السرقة والاحتيال على الناس ونحو ذلك؛ لأن الذي يعولهم ويكفيهم وينفق عليهم قد تخلى عنهم، أعتَقَهم فتحولوا إلى عصابات أحياناً، فالمقصود أن المكاتبة تكون بهذا القيد، يستطيع أن يكتسب ويستغني عن السؤال، وعن الناس، والله تعالى أعلم.

قوله: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكوات، وهذا قول الحسن، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأبيه، ومقاتل بن حيان، واختاره ابن جرير.

وقال إبراهيم النَّخَعِيّ في قوله: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} قال: حَثَّ الناسَ عليه مولاه وغيره، وكذلك قال بُرَيْدة بن الحُصَيب الأسلمي، وقتادة.

وقال ابن عباس: أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب.

هذا الخطاب {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} طائفة من أهل العلم قالوا بأن الخطاب متوجه للسادة، للمالكين، وما هذا المال الذي يعطيهم؟، قالوا: أن يضع له من النجوم -يعني هذه الأقساط- أن يضع له، يتنازل له عن بعضها من مال الكتابة، وبعضهم يقول: هذا الخطاب لأهل الغنى والسعة والثروة فالله -تبارك وتعالى- يأمرهم ويحثهم على هذا، يعطونه من الصدقة والزكاة، وهذا قال به جماعة من     أهل العلم من السلف ومن بعدهم إلا أن ابن جرير -رحمه الله- قيده بالزكاة، باعتبار أن هذا أمر، والأمر للوجوب، ولا يجب على الإنسان أن يدفع من ماله إلا الزكاة، لكن هذا إذا قلنا: إنه للوجوب ولا يلزم أن   يكون هذا الأمر للوجوب {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} من الزكاة والصدقة كما هو قول طائفة كابن زيد والحسن وإبراهيم النخعي ومقاتل وابن حيان، وبعضهم يقول: هذا متوجه للولاة أهل الولايات من أين يعطونهم؟ من بيت مال المسلمين، وبعضهم يقول: هذا خطاب للجميع لم يقيد الله فيه فئة دون فئة        ما خص ذلك بالمالكين لهؤلاء الأرقاء، ولا بأهل الثروة، ولا بأصحاب الولايات، وإنما هو حث للأمة {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}، فيدخل فيه الجميع، ومن أهل العلم من قال: إنه متوجه إلى من على مال الكتابة، وهذا قال به خلق كثير من أهل العلم، ولا يعني أنه هو الراجح، قال به كثيرون: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} يعني الكتابة، يضع له قسطاً أو أكثر يخفف عنه، وهذا مروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- ومقدار هذا الوضع بعضهم قيده بالربع، وهذا قال به جماعة، ومروي عن علي -رضي الله عنه-، وبعضهم قال: ذلك إلى مشيئته وإرادته بحسب ما يريد الربع أو أقل أو أكثر، وهذا منقول عن عمر -رضي الله عنه-، وآخرون كابن عباس، وابن عمر ومالك والشافعي ذهبوا إلى أن ذلك لم يقيد، وهذا هو الصحيح {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} لكن من قال: إنه الربع هل يمكن أن يُلتمس له شيء يعني ما وجه تقيده بالربع؟ يمكن أن يقال النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الثلث، والثلث كثير))([10])، إذاً الربع، ولهذا كانوا يرون في الوصية -كثير من السلف- أكثر السلف يرون أنه لا يستحب للإنسان في الوصية أن يوصي بالثلث خلافاً لما اعتاد عليه العامة إلى يومنا هذا، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الثلث، والثلث كثير)) فهذا حد الجواز في أعلى صورة، وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه كثير، قالوا: إذاً يضع من الثلث، إلى أي حد؟ كثير منهم يقولون: الربع، يقول هذا توجيه لمن قال الربع هنا، لكن الآية ليس فيها هذا التقييد أو التقدير، وإنما بحسب ما يراه، وهنا ملحظ ذكره بعض أهل العلم: إذا كان الآن المكاتب السيد وضع عنه، والكتابة مثلاً لو قلنا: إنها على عشرة أو على اثني عشر قسطاً في سنة، كل شهر يدفع قسطاً، ولكن من أي الأقساط يضع من الأول أو من الوسط أو من الأخير؟ بعض أهل العلم نبه على معنى وهو أنه يضع من الأخير؛ لأنه قد يعجز فإذا عجز ما استفاد شيئاً، هذا المملوك قد يعجز فإذا عجز وقد وضع عنه القسط الأول والثاني، فيكون كأنه قد رجع بصدقته، فهو تصدق عليه الآن بالقسط الأول ومقداره مثلاً عشرة آلاف، يقول: أنا وضعت عنك القسط الأول صدقة، ثم يعجز فترجع إليه صدقته، ويكره للإنسان أن يرجع في صدقته بل قد يحرم عليه أحياناً -لكن في هذه الصورة لا يحرم عليه؛ لأنه معذور- حتى إنه يترك شراء ما تصدق به، إذا باعه المتصدق عليه يتركه فكيف بالرجوع فيه ابتداءً؟!.

وقوله: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الآية: كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة، أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كلّ وقت، فلما جاء الإسلام، نهى الله المسلمين عن ذلك.

وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة -فيما ذكره غير واحد من المفسرين، من السلف والخلف- في شأن عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق فإنه كان له إماء، فكان يكرههن على البِغاء طلبا لخَراجهن، ورغبة في أولادهن، ورئاسة منه فيما يزعم.

روى الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزَّار -رحمه الله- في مسنده عن الزهري قال: كانت جارية لعبد الله بن أبيّ بن سلول، يقال لها: معاذة، يُكرهها على الزنى، فلما جاء الإسلام نزلت: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} إلى قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ}([11]).

وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر في هذه الآية: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} قال: نزلت في أمة لعبد الله بن أبي بن سلول يقال لها: مُسَيْكَة، كان يكرهها على الفجور -وكانت لا بأس بها– فتأبى، فأنزل الله، -عز وجل-، هذه الآية إلى قوله: {وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

وروى النسائي نحوه([12]).

قوله: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} البغاء مصدر بغت الجارية بغاءً، فهو بمعنى الطلب، وذلك أنها تتكسب بالفجور والفاحشة، ولهذا يقال: الفرق بين الزنا والبغاء: أن الزنا المعروف، والبغاء ما كان بمقابل بأجرة، يعني الزنا بأجرة، وقوله -تبارك وتعالى-: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} وردت في سبب نزولها روايات متعددة منها الصحيح ومنها الضعيف، نكتفي بما أخرجه مسلم عن جابر -رضي الله تعالى عنه- من أن عبد الله بن أبيّ كانت له جاريتان، واحدة يقال لها: مسيكة، والأخرى يقال لها: أميمة، وكان يكرههن على البغاء، ويأبين ذلك فأنزل الله -عز وجل- هذه الآية: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ}، وذِكْر الفتيات هنا مناسب لذكر البغاء وسبب النزول أيضاً، فإنه لا يقال للرجل: بغيّ، وإنما يقال: امرأة بغيّ، هي التي تفجر بأجرة، وإلا فإنه لا يجوز أيضاً أن يكره مملوكه على الزنا، {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} التحصن المقصود به العفاف، لكن هنا يرد سؤال وهو أن مفهوم المخالفة في هذه الآية غير معتبر، في الأصل مفهوم المخالفة حجة، ومعروف المفهوم، {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} مفهوم المخالفة أنها إن لم ترد التحصن فيجوز إكراهها على البغاء، أو لا؟ هذا المفهوم، لا تكرهها على البغاء إن كانت تريد التحصن، مفهوم المخالفة إن لم ترد التحصن فلا بأس بإكراهها، ولكن مفهوم المخالفة هنا غير معتبر، فهو أحد المواضع التي لا يعتبر فيها مفهوم المخالفة، ولا يكون حجة في نحو سبعة مواضع أو ثمانية، لا يعتبر فيها مفهوم المخالفة، منها هذه الحالة وهي التي يسميها الأصوليون وفاق الواقع  -موافقة الواقع-، يعني أن تنزل الآية تتحدث عن واقع معين تصفه كما قال الله -تبارك وتعالى-: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة آل عمران:28]، هل بمفهوم المخالفة يجوز للمؤمن أن يتخذ الكافرين أولياء مع المؤمنين؟، لا يجوز للإنسان أن يتخذ الكافرين أولياء مطلقاً ولو مع المؤمنين، كما تدل عليه الأدلة الكثيرة، فهنا هل يجوز له أن يرخص لها في البغاء إن كانت لا تريد التحصن؟ الجواب: لا يجوز له، ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته))([13])، {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً} [سورة الإسراء:32]، فيجاب عن مفهوم المخالفة: بأن الآية نزلت على وفاق واقع معين فلا يحتج بها بمفهوم المخالفة، كما قال صاحب المراقي:

                           *** ودع إذا الساكت عنه خافا

أو جهل الحكم أو النطق انجلب *** للسؤل أو جرى على الذي غلب

.....إلى أن قال: أو وفاق الواقع.

هذا هو وفاق الواقع وهذا له نظائر، ولكن إذا فهمت هذا القدر ينحل عنك هذا الإشكال سواء كانت تطلب البغاء وترغب فيه أو لا ترغب، فلا يجوز له أن يمكنها من ذلك، أرادت التحصن أو لم ترد التحصن، إذاً فائدة هذا القيد -إن أردن تحصناً- هو فقط يصف حال واقعة نزلت الآية بسببها، وما مصلحة هذا الإنسان الذي يكرهها كعبد الله بن أبي على البغاء؟ كانوا يفعلونه لجملة من الأمور منهم من يتكسب، ومعلوم حرمة مهر البغي، وهو من المكاسب الخبيثة، فالرجل لربما يتكسب تجارة يكون عنده إماء للفجور فيتكسب منهن، وقد يفعل ذلك لمعنى آخر، لكن المعنى الأساسي والأصلي أن البغاء الزنا بأجرة، وبعضهم قد يفعل هذا من أجل نجابة الولد أو لتكثير الأولاد، يعني هو يريد كما سبق أن أولاد الأمة هذه سيكونون مماليك له فإذا جاءه رجل وأعجبه ونحو ذلك في ذكاء، وقوة لربما جعله ينكح هذه الأمة يطأ هذه الأمة من أجل أن يأتي      أولاد منه، أو ليتاجر بهؤلاء الأولاد أصلاً، يريد أن يكثر فيجعل الإماء يفجرن، وقد يفعل ذلك من باب القَراء لضيفه أو نحو ذلك فيقدم له أمته، كل هذه الأمور، وفي الأصل أن البغاء الزنا بأجرة، {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} تريد العفاف.

وقال مُقَاتِل بن حَيَّان: بلغنا -والله أعلم- أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا يُكرهان أمتين لهما، إحداهما اسمها مُسَيْكَة، وكانت للأنصاريّ، وكانت أميمة أم مسيكة لعبد الله بن أبي، وكانت معاذة وأروى بتلك المنزلة، فأتت مسيكة وأمها النبي -صلى الله عليه وسلم-، فذكرتا ذلك له، فأنزل الله في ذلك {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} يعني: الزنى.

ابن كثير -رحمه الله- خرّج هذا المثال بتخريج بحيث جعله من الأحوال التي لا يعتبر فيها بمفهوم المخالفة، وهو أن ذلك بناء على الغالب، وما كان خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، والأقرب -والله أعلم- هو أن هذا جاء بناء على وفاق واقع معين لا أن ذلك خرج مخرج الغالب، وهل الغالب أن هذه الإماء اللاتي اعتدن على الفجور أنها تأبى ذلك؟، ولهذا الأمة في الحدِّ نصف الحرة؛ لقلة شرفها وفيما سبق قوله -تبارك وتعالى-: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} أن الغالب في المماليك خلاف الصلاح.

وقوله: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} هذا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، وقوله: {لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: من خَرَاجهن ومهورهن وأولادهن، وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، عن كسب الحجَّام، ومهر البَغيّ وحُلْوان الكاهن([14])، وفي رواية: ((مهر البغي خبيث، وكسب الحجَّام خبيث، وثمن الكلب خبيث))([15]).

وقوله: {وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي: لهن، كما تقدم في الحديث عن جابر.

وقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: فإن فعلتم فإن الله لهن غفور رحيم وإثمهن على من أكرههن، وكذا قال مجاهد، وعطاء الخرساني، والأعمش، وقتادة.

قوله -تبارك وتعالى-: {وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، فالله غفور رحيم للمكرهات، ويوجد من يقول: غفور رحيم لمن أكرههن، وأن هذا فتح لباب التوبة، ولكن هذا بعيد، وإنما هو غفورٍ رحيم لهن؛ لأن المُكرَه يكون غير مؤاخذ، والإكراه المعتبر كما جاء هنا عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "فإن فعلتم فإن الله لهن غفور رحيم"، وفي قراءة لابن مسعود -وهي غير متواترة-: {ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهن وإثمهن على من أكرههن}، والقراءة غير المتواترة تفسر القراءة المتواترة، وأصلاً هذا مفهوم ومعلوم أن ذلك يرجع إلى المُكرَه، وليس للمُكرِه هذا السيد مكرِه، ويقول: {وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فهذا جدير بالوعيد وليس بالوعد بالمغفرة.

ولما فصل تعالى هذه الأحكام وبَيَّنها قال: {وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ} يعني: القرآن فيه آيات واضحات مفسرات، {وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} أي: خبراً عن الأمم الماضية، وما حلَّ بهم في مخالفتهم أوامرَ الله تعالى، كما قال تعالى: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ} [سورة الزخرف:56].

{وَمَوْعِظَةً} أي: زاجرًا عن ارتكاب المآثم والمحارم {لِلْمُتَّقِينَ} أي: لمن اتقى الله وخافه.

في قوله -تبارك وتعالى-: {وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} قال: أي: خبراً عن الأمم الماضية، والكثير من أهل العلم على أن هذه المادة -المثل- تدور على معنى الشبه، والمثيل، والنظير، والشبيه، وأن المقصود الحال المشابهة، وبعضهم يقول: الحال العجيبة أو الصفة العجيبة، وهنا {وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ}، ويمكن أن يرجع ذلك إلى ما ذكر في هذه السورة في أولها، وفي غير ذلك من القرآن، وفي هذه السورة ذكرت قصة الإفك وهي نظير لما ذكره الله -تبارك وتعالى- في القرآن مثلاً من خبر يوسف -صلى الله عليه وسلم- حيث اتُّهم بالفاحشة ثم كانت العاقبة بعد ذلك له، وكان ذلك رفعة في حقه، فخرج من السجن إلى الملك، فهذا نظير ما قيل في عائشة -رضي الله تعالى عنها-: {وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ}، ويمكن أن يكون يراد بالمثل هنا الأمثال؛ لأن المثل جنس يصدق على الواحد، والجمع، كما سبق أن اسم الجنس يصدق على الواحد والجماعة سواء ذكر مفرداً أو مضافاً كما قال الله -تبارك وتعالى-: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء} المقصود به الأطفال، أو كان مضافاً: "أو صديقِكم" أي أو أصدقائِكم، {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء} [سورة الممتحنة:1] بالجمع يعني لا تتخذوا عدوي أي أعدائي، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة.

تم بحمد الله وفضله.


 

[1] - رواه البخاري، كتاب النكاح، باب من لم يستطع الباءة فليصم، برقم (4779)، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، برقم (1400).

[2] - رواه أبو داود، كتاب النكاح، باب من تزوج الولود، برقم (2050)، ولفظه: ((تزوجوا الودود الولود فإني مباهٍ أو مكاثر بكم الأمم يوم القيامة))، والنسائي، كتاب النكاح، باب كراهية تزويج العقيم، برقم (3227)، وقال الألباني في صحيح أبي داود: إسناده حسن صحيح، وصححه الحاكم والذهبي، وصححه الحافظ ابن حبان من حديث أنس، وحسنه الهيثمي، برقم (1789).

[3] - رواه الطبراني في المعجم الكبير، برقم (1004)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع برقم (3291).

[4] - رواه البخاري، كتاب العتق، باب العبد إذا أحسن عبادة ربه ونصح سيده، برقم (2414)، ومسلم، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب حكم إطلاق لفظة العبد والأمة والمولى والسيد، برقم (2249).

[5] - رواه النسائي، كتاب النكاح، باب معونة الله الناكح الذي يريد العفاف، برقم (3218)، والترمذي، كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في المجاهد والناكح والمكاتب وعون الله إياهم، برقم (1655)، وقال        أبو عيسى: هذا حديث حسن، وابن ماجه، كتاب العتق، باب المكاتب، برقم (2518)، وأحمد في المسند، برقم (7416)، وقال محققوه: "إسناده قوي، رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن عجلان، فقد روى له البخاري تعليقا، ومسلم في الشواهد وأصحاب السنن، وهو صدوق"، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم (5361).

[6] - علقه البخاري -رحمه الله- في صحيحه (2/902)، كتاب العتق، باب إثم من قذف مملوكه، وباب المكاتب ونجومِه في كل سنة نَجمٌ.

[7] - رواه عبد الرزاق في مصنفه، برقم (15576).

[8] - جامع البيان في تأويل القرآن، الطبري (19/167).

[9] - رواه البيهقي في السنن الكبرى، برقم (11325)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (7662).

[10] - رواه البخاري، كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل، برقم (5039)، ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم (1628).

[11] - رواه البزار في مسنده، برقم (6359).

[12] - رواه مسلم، كتاب التفسير، باب في قوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء}، برقم (3029)، والنسائي في السنن الكبرى، برقم (11365).

[13] - رواه البخاري، كتاب العتق، باب كراهية التطاول على الرقيق وقوله عبدي وأمتي، برقم (2416)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر، برقم (1829).

[14] - رواه البخاري، كتاب البيوع، باب ثمن الكلب، برقم (2122)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي والنهي عن بيع السنور، برقم (1567).

[15] - رواه مسلم من حديث رافع بن خديج -رضي الله عنه-، بلفظ: ((ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث))، كتاب المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي والنهي عن بيع السنور، برقم (1568).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
twitterRSS
trees
about