تخريج العمالقة
عدد الزوار : 12689
تاريخ الإضافة : 16 رمضان 1429
PDF : 66 kb

تخريج العمالقة

د . خالد بن عثمان السبت

 

      لقد اقتضت حكمة الباري جل وعلا أن خلق البشر وجعلهم متفاوتين في

الصور والهيئات والألوان ، بَلْهَ القوةَ والضعف ، والصحة والمرض ، والغنى

والفقر ، فضلاً عن التفاوت العظيم بينهم في الهمم والإرادات ، والميول والرغبات ،

والفهوم والمَلَكَات ، كل ذلك لحِكَم عظيمة بها تقوم حياة الناس وتتحقق مصالحهم ،

ويُسخَّر بعضهم لبعض ، ومن ثَمَّ أيضاً يتفاوت حسابُهم بحسب ما أعطاهم الله تعالى

من الأَعْراض والمَلَكَات ، كما قال تعالى : ] أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا

بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم

بَعْضاً سُخْرِياً [ ( الزخرف : 32 ) ، وقال سبحانه أيضاً في آخر الأنعام : ] وَهُوَ

الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [

( الأنعام : 165 ) .

      وهذا التفاضل ينتج عنه تَمَايُزٌ في السعي والتحصيل في العلوم والصنائع ،

ومن ثَمَّ يحصل التكامل الذي به تكون عمارة الأرض وبناء الحضارة ؛ فهذا يكون

رأساً في العلوم الشرعية ، وذاك نابغة في العلوم التجريبية ، وثالث هَامَة في الفنون

القتالية ، ورابع باقِعَة [1] في التدبير والسياسة .. . وهكذا .

      وإنما هذه المهارات بمنزلة الزرع ؛ فهو يقوى ويشتد ، ويُؤتي ثماره المرجوة

بأمرين :

      الأول : قابلية المحلّ .

      الثاني : القيام عليه وتعاهده بالسقي والرعاية .

      فهو عند اجتماع الأمرين يكون بمنزلة جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها

ضعفين ، وإن لم يصبها وابل فيكفيها طَلٌّ حتى تُخرِج من كل زوج بهيج .

      وبانعدام أحدهما لا يحصل المطلوب ؛ ذلك أن من يحاول علماً لا يتناسب مع

ميوله وقدراته كمن يزرع جوز الهند في الأندلس كما قال ابن حزم أو النخيل في

أحد القطبين !!

      وهكذا نَفَاسَة المعدن ، وتوقُّد الذكاء ، وقابلية المحل ، لا تكفي من غير صقل

وتربية وعناية .

      وعليه يقال : مقومات النبوغ والتفوق والإبداع بعد توفيق الله تعالى أربعة :

      الأول : الإخلاص لله تعالى وتقواه ، خاصة إذا كان العلم المطلوب شرعياً .

وقد جاء في بعض رسائل الشيخ حمد بن عتيق ( ت 1301هـ ) رحمه الله ما

نصه : « .. . ومن تأمل أحوال العالم وجد ما يشهد به ، فيجد من يَشِبّ ويشيب

وهو يقرأ ولم يُحصِّل شيئاً لمانع قام به وحال من نفسه » [2] .

      ولما وقعت عين الإمام مالك رحمه الله لأول مرة على الإمام الشافعي رحمه

الله وهو في أوائل الطلب قال له مالك رحمه الله : « إن الله عز وجل قد ألقى على

قلبك نوراً فلا تطفئه بالمعصية » [3] . وفي رواية عند ابن عساكر : « فلما أن سمع

كلامي نظر إليَّ ساعة [4] وكان لمالك فراسة فقال لي : ما اسمك ؟ فقلت : محمد ،

فقال لي : يا محمد ! اتق الله واجتنب المعاصي ؛ فإنه سيكون لك شأن من   

الشأن » [5] .

      الثاني : توفر المَلَكَة والأهلية في ذلك الفن .

      الثالث : أن يوفَّق إلى المربي الفطن الذي يتمكن من اكتشاف مواهبه والتفرس

في مَلَكَاته منذ مراحله الأولى ، فيوجهه إلى تنمية تلك القُدرات ، ويَكِلُه إلى من لديه

القدرة على صقلها وتقويتها .

      الرابع : وجود البيئة الملائمة من التلاميذ الذين يتفقون معه في النبوغ والتفوق

من جهة ، والأساتذة البارعين في هذا الجانب من جهة أخرى .

      وإذا وقع الإخلال بشيء من ذلك فالنتيجة المنتظرة هي الفشل والضمور

والتضاؤل ، ومن ثَمَّ تكون الثمرة : تخريج الأقزام بدلاً من العمالقة . والله المستعان .   

      ولعل من المناسب في هذا العصر الذي برز فيه الحديث عن الموهوبين أن

أنقل لك كلاماً لعَلَم من أعلام المسلمين في هذه القضية الحيوية ، وهو الإمام

الشاطبي رحمه الله ( ت 790هـ ) حيث يقول في معرض كلامه على فروض

الكفاية : « وذلك أن الله عز وجل خلق الخلق غير عالمين بوجوه مصالحهم ، لا في

الدنيا ولا في الآخرة ، ألا ترى إلى قول الله تعالى : ] وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ

أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [   

( النحل : 78 ) ، ثم وضع فيهم العلم بذلك على التدريج والتربية ؛ تارة بالإلهام كما  

يُلهَم الطفلُ الْتِقام الثَّدْي ومصَّه ، وتارة بالتعليم ؛ فطلب الناس بالتعلم والتعليم لجميع

ما يُستجلَب به المصالح وكافة ما تُدْرأ به المفاسد ، إنهاضاً لما جُبِلَ فيهم من تلك

الغرائز الفِطْريَّة ، والمطالب الإلهامية ؛ لأن ذلك كالأصل للقيام بتفاصيل المصالح

سواء كان ذلك من قبيل الأفعال ، أو الأقوال ، أو العلوم والاعتقادات ، أو الآداب

الشرعية أو العادية وفي أثناء العناية بذلك يَقْوى في كل واحد من الخلق ما فُطر

عليه ، وما أُلْهِم له من تفاصيل الأحوال والأعمال ؛ فيظهر فيه وعليه ، ويُبرِّز فيه

على أقرانه ممن لم يُهيأ تلك التهيئة ؛ فلا يأتي زمانُ التعقُّل إلا وقد نجم [6] على

ظاهره ما فُطر عليه في أوَّليَّته ؛ فترى واحداً قد تهيَّأ لطلب العلم ، وآخر لطلب

الرياسة ، وآخر للتصنع ببعض المهن المحتاج إليها ، وآخر للصِّراع والنطاح ، إلى

سائر الأمور .

      هذا وإن كان كلُّ واحدٍ قد غُرز فيه التصرف الكلي ؛ فلا بدَّ في غالبِ العادة

من غَلَبة البعض عليه ؛ فيردُ التكليفُ عليه معلَّماً مؤدَّباً في حالته التي هو عليها ؛

فعند ذلك ينتهضُ الطلبُ على كل مكلف في نفسه من تلك المطلوبات بما هو ناهضٌ

فيه ، ويتعين على الناظرين فيهم الالتفات إلى تلك الجهات ؛ فيراعونهم بحسبها

ويراعونها إلى أن تخرج في أيديهم على الصراط المستقيم ، ويعينونهم على القيام

بها ، ويحرضونهم على الدوام فيها ؛ حتى يبرز كل واحد فيما غلب عليه ومال إليه

من تلك الخُطط [7] ، ثم يخلى بينهم وبين أهلها ، فيعاملونهم بما يليق بهم ليكونوا من

أهلها ، إذا صارت لهم كالأوصاف الفطرية ، والمدْركات الضرورية ؛ فعند ذلك

يحصل الانتفاع ، وتظهر نتيجة تلك التربية .

      فإذا فُرِضَ مثلاً واحدٌ من الصبيان ظهر عليه حسنُ إدراك ، وجودة فهم ،

ووفور حفظٍ لما يسمع وإن كان مشاركاً في غير ذلك من الأوصاف مِيل به نحو ذلك

القصد ، وهذا واجبٌ على الناظر فيه من حيث الجملة مراعاةً لما يُرجى فيه من

القيام بمصلحة التعليم ، فطلب بالتعلم وأُدِّب بالآداب المشتركة بجميع العلوم ، ولا بد

أن يُمال منها إلى بعض فيؤخذ به ، ويُعان عليه ، ولكن على الترتيب الذي نصَّ

عليه رَبَّانِيُّو العلماء ، فإذا دخل في ذلك البعض فمال به طبعه إليه على الخصوص ،

وأحبَّه أكثر من غيره ؛ تُرك وما أحب ، وخص بأهله ؛ فوجب عليه إنهاضه فيه   

حتى يأخذ منه ما قدر له ، من غير إهمال له ولا ترك لمراعاته ، ثم إن وقف هنالك

فحسن ، وإن طلب الأخذ في غيره أو طُلب به ؛ فُعل معه فيه ما فعل فيما قبله ،

وهكذا إلى أن ينتهي .

      كما لو بدأ بعلم العربية مثلاً فإنه الأحقُّ بالتقديم ؛ فإنه يُصرَف إلى معلميها ؛

فصار من رعيتهم ، وصاروا هم رُعاةً له ؛ فوجب عليهم حفظه فيما طلب بحسب ما

يليق به وبهم ، فإن انتهض عزمه بعدُ إلى أن صار يحْذِقُ القرآن صار من رعيتهم ،   وصاروا هم رُعاةً له كذلك ، ومثله إن طلب الحديث أو التفقه في الدين إلى سائر   

ما يتعلق بالشريعة من العلوم ، وهكذا الترتيب فيمن ظهر عليه وَصْفُ الإقدام

والشجاعة وتدبير الأمور ، فيُمال به نحو ذلك ، ويُعلَّم آدابه المشتركة ، ثم يصار به

إلى ما هو الأوْلى فالأوْلى من صنائع التدبير ؛ كالعرافة ، أو النقابة ، أو الجندية ،

أو الهداية ، أو الإمامة ، أو غير ذلك مما يليق به ، وما ظهر له فيه نجابة ونهوض ،   وبذلك يتربى لكل فعلٍ هو فرضُ كفايةٍ قومٌ ؛ لأنه سير أولاً في طريق مشترك ؛   

فحيث وقف السائر وعجز عن السير فقد وقف في مرتبة محتاج إليها في الجملة ،

وإن كان به قوة زاد في السير إلى أن يصل إلى أقصى الغايات في المفروضات

الكفائية ، وفي التي يَنْدُر من يصل إليها ؛ كالاجتهاد في الشريعة ، والإمارة ؛ فبذلك

تستقيم أحوال الدنيا وأعمال الآخر » [8] .

________________________

(1) الباقعة : الرجل الداهية ، والذكي العارف الذي لا يفوته شيء ولا يُدهى (القاموس ، مادة : بقع).

(2) مجموعة رسائل الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله ، ص 112 (طبع دار الهداية الرياض) .

(3) مناقب الشافعي للبيهقي ، ص 103 ، 104 .

(4) ساعة : كناية عن إطالة النظر .

(5) مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور ، 21/363 .

(6) أي : ظهر انظر : «لسان العرب» (ن ج م) .

(7) أي : الأمور والأحوال انظر : «لسان العرب» (خ ط ط) .

(8) الموافقات ، 1/284 286 .

 

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
teleqram
trees
about